مَسَامِعُهُمْ، لِأَنَّهُ مَبْلَغُهُ وَمَنْهِيهِ وَنَاشَرُهُ بَيْنَ النَّاسِ، وَلَهُ فِيهِ لَطْفٌ وَحَثَّ عَلَى زِيَادَةِ التَّقْوَى، وَكَمْ مِنْ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي شَأْنِ الْكَافِرِينَ وَفِيهَا أَوْفَرُ نَصِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، تَدَبَّرًا لَهَا وَاعْتِبَارًا بِمَوْرِدِهَا. وَفِي أََلَا يَتَّقُونَ بِالْيَاءِ وَكَسْرِ النُّونِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَلا يَا نَاسَ اتَّقُونَ، كَقَوْلِهِ أََلَّا يَسْجُدُوا.
[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢ الى ١٣]
قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣)
ويَضِيق ويَنْطَلِقُ، بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُمَا مَعْطُوفَانِ عَلَى خَبَرٍ إِنَّّ، وَبِالنَّصْبِ لِعَطْفِهِمَا عَلَى صِلَةِ أَنَّ.
وَالْفَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى: أَنَّّ الرَّفْعَ يُفِيدُ أَنَّّ فِيهِ ثَلَاثَ عِلَّلَ: خَوْفَ التَّكْذِيبِ، وَضِيقِ الصَّدْرِ، وَامْتِنَاعِ انْطِلَاقِ اللِّسَانِ، وَالنَّصْبِ عَلَى أَنَّّ خَوْفَهُ مُتَعَلِّقٌ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ. فَإِنْ قُلْت: فِي النَّصْبِ تَعْلِيقُ الْخَوْفِ بِالْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَفِي جُمْلَتِهَا نَفَى انْطِلَاقَ اللِّسَانِ. وَحَقِيقَةِ الْخَوْفِ إنَّمَا هِيَ غَمٌّ يَلْحَقُ الْإِنْسَانُ لِأَمْرٍ سَيَقَعٍ، وَذَلِكَ كَانَ وَاقِعًا، فَكَيْفَ جَازَ تَعْلِيقُ الْخَوْفِ بِهِ؟ قُلْت: قَدْ عَلَّقَ الْخَوْفَ بِتَكْذِيبِهِمْ وَبِمَا يَحْصُلُ لَهُ بِسَبَبِهِ مِنْ ضِيقِ الصَّدْرِ، وَالْحَبْسَةِ فِي اللِّسَانِ زَائِدَةٌ عَلَى مَا كَانَ بِهِ، عَلَى أَنَّّ تِلْكَ الْحَبْسَةَ الَّتِي كَانَتْ بِهِ قَدْ زَالَتْ بِدَعْوَتِهِ. وَقِيلَ: بَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيَّةٌ يَسِيرَةً. فَإِنْ قُلْتَ:
اعْتِذَارَك هَذَا يَرُدُّّهُ الرَّفْعُ، لِأَنَّّ الْمَعْنَى: إنِّى خَائِفٌ ضِيِّقِ الصَّدْرِ غَيْرُ مُنْطَلِقِ اللِّسَانِ. قُلْت: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَبْلَ الدَّعْوَةِ وَاسْتِجَابَتِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الْقَدْرَ الْيَسِيرَ الَّذِي بَقِيَ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ حِلِّ الْعُقْدَةِ مِنْ لِسَانِهِ مِنْ الْفُصَحَاءِ الْمُصَاقِعِ «َ١» الَّذِينَ أُوتُوا سَلَاطَةَ الْأَلْسِنَةِ وَبِسْطَةِ الْمَقَالِ، وَهَرُونٌ كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ، فَأَرَادَ أَنْ يُقَرِنَ بِهِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى وََأََخِي هَارُِونُ هُوَ أََفْصَحُ مِنِّي لِسانًا ومَعْنِى فَأََرْسِلْ إِلى هارُونَ: أَرْسِلُ إِلَيْهِ جِبْرَائِيلُ، وَاجْعَلْهُ نَبِيًّا، وَآزَرَنِى بِهِ «٢»، وَاشْدُدْ بِهِ عُضْدِي، وَهَذَا كَلَامٌ مُخْتَصَرً. وَقَدْ بَسَطَهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ أَحْسَنَ فِي الِاخْتِصَارِ حَيْثُ قَالَ فََأََرْسِلْ إِلى هارُونَ فَجَاءَ بِمَا يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الِاسْتِنْبَاءِ، وَمِثْلُهُ فِي تَقْصِيرِ الطَّوِيلَةِ وَالْحَسَنِ قَوْله تَعَالَى فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا حَيْثُ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ طَرَفَى الْقِصَّةِ أَوَّّلَهَا وَآخِرُهَا، وَهُمَا الْإِنْذَارُ وَالتَّدْمِيرُ، وَدَلَّّ بِذِكْرِهِمَا عَلَى مَا هُوَ الْغَرَضُ مِنْ الْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ كُلِّهَا، وَهُوَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، فَأَرَادَ اللَّهُ إِلْزَامَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا، فَأَهْلَكَهُمْ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ سَاغَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِأَمْرٍ فَلَا يَتَقَبَّلُهُ بِسَمْعٍ وَطَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ وَتَشْبَثُ بِعَلَّلٍ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مِنْ
1 (١) . قوله «من الفصحاء المصاقع» في الصحاح «صقع الديك»: صاح. وخطيب مصقع، أى: بليغ. (ع) (٢) . قوله «وآزرنى به» في الصحاح «آزرت فلانا»: عاونته. والعامة تقول: وازرته. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout