أَنَّ النَّبَاتَ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَافِعٌ وَضَارٍّّ، فَذَكَرَ كَثْرَةَ مَا أَنْبَتَ فِي الْأَرْضِ مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ النَّبَاتِ النَّافِعِ، وَخَلَّى ذِكْرَ الضَّارِّ. وَالثَّانِي: أَنْ يَعُمَّ جَمِيعَ النَّبَاتِ نَافِعَةً وَضَارَّهُ، وَيَصِفُهُمَا جَمِيعًا بِالْكَرْمِ وَيُنَبِّهُ عَلَى أَنَّهُ مَا أَنْبَتَ شَيْئًا إِلَّا وَفِيهِ فَائِدَةٌ، لِأَنَّّ الْحَكِيمَ لَا يَفْعَلُ فِعْلًا إِلَّا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَلِحِكْمَةٍ بَالِغَةً، وَإِنْ غَفِلَ عَنْهَا الْغَافِلُونَ، وَلَمْ يَتَوَصَّلْ إِلَى مَعْرِفَتِهَا الْعَاقِلُونَ. فَإِنْ قُلْت: فَحِينَ ذَكَرَ الْأَزْوَاجَ وَدَلَّّ عَلَيْهَا بِكَلِمَتَيْ الْكَثْرَةِ وَالْإِحَاطَةِ، وَكَانَتْ بِحَيْثُ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا عَالِمُ الْغَيْبِ، كَيْفَ قَالَ إِِنَّ فَِي ذَلِكَ لَآيَةً وَهَلاَ قَالَ: آيَاتِ؟ قُلْت: فِيهِ وَجْهَانِ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُشَارًا بِهِ إِلَى مَصْدَرٍ أَنْبَتْنَا، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ فِي الْإِنْبَاتِ لِآيَةٍ أَىّ آيَةً. وَأَنْ يُرَادَ: أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الْأَزْوَاجِ لِآيَةِ.
وَقَدْ سَبَقَتْ لِهَذَا الْوَجْهِ نَظَائِرُ.
[سورة الشعراءُ (٢٦): الآيات ١٠ الى ١١]
وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١)
سجل عليهم بالظلمِ بأَنَّ قَدَّمَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، ثُمَّ عَطَفَهُمْ عَلَيْهِمْ عَطْفُ الْبَيَانِ، كَأَنَّ مَعْنَى الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَتَرْجَمَتُهُ قَوْمٌ فِرْعَوْنَ وَكَأَنَّهُمَا عِبَارَتَانِ تَعْتَقِبَانِ عَلَى مُؤَدًّى وَاحِدٍ: إِنْ شَاءَ ذَاكَرَهُمْ عَبَّرَ عَنْهُمْ بِالْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَإِنْ شَاءَ عَبَّرَ بِقَوْمٍ فِرْعَوْنَ. وَقَدْ اسْتَحِقُّوا هَذَا الِاسْمَ مِنْ جِهَتَيْنِ: مِنْ جِهَةِ ظُلْمِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالْكُفْرِ وَشَرَارَتِهِمْ، وَمِنْ جِهَةِ ظُلْمِهِمْ لَبَنِى إِسْرَائِيلَ بِاسْتِعْبَادِهِمْ لَهُمْ. قُرِئَ:
أَلا يَتَّقُونَ بِكَسْرِ النُّونِ، بِمَعْنًى: أَلا يَتَقُونَنِى فَحَذَفَتْ النُّونَ لِاجْتِمَاعِ النَّونَيْنِ، وَالْيَاءِ لِلِاكْتِفَاءِ بِالْكِسْرَةِ. فَإِنْ قُلْت: بِمَ تَعَلَّقْ قَوْلُهُ: أَلَا يَتَّقُونَ؟ قُلْت: هُوَ كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ أَتْبَعَهُ عَزَّ وَجَلَّ إِرْسَالُهُ إِلَيْهِمْ لِلْإِنْذَارِ، وَالتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، تَعْجِيبًا لِمُوسَى مِنْ حَالِهِمْ الَّتِي شَنَعَتْ فِي الظُّلْمِ وَالْعُسْفِ، وَمِنْ أَمَّنِهُمْ الْعَوَاقِبُ وَقَلَّهُ خَوْفُهُمْ وَحَذَرُهُمْ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَاَ يَتَّقُونَ حَالا مِنَ الضَّمِيرِ فِي الظَّالِمِينَ، أَى: يَظْلِمُونَ غَيْرَ مُتَّقِينِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ، فَأَدْخَلَتْ هَمْزَةُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْحَالِ.
وَأَمِّّا مَنْ قَرَأَ: أَلَا تَتَّقُونَ. عَلَى الْخِطَّابِ. فَعَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِمْ، وَجَبَهَهُمْ، وَضَرَبَ وُجُوهَهُمْ بِالْإِنْكَارِ، وَالْغَضَبِ عَلَيْهِمْ، كَمَا تَرَى مَنْ يَشْكُو مِنْ رَكِبَ جِنَايَةٍ إِلَى بَعْضِ أَخْصَائِهِ وَالْجَانِي حَاضِرٌ، فَإِذَا انْدَفَعَ فِي الشِّكَايَةِ وَحُرٍّّ مَزَاجَهُ «١» وَحُمَى غَضَبَهُ قَطِعَ مُبَاثَةَ صَاحِبِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى الْجَانِي يُونَجُهُ وَيَعْنِفُ يهِ وَيَقُولُ لَهُ: أَلَمْ تَتَّقِ اللَّهَ، أَلَمْ تَسْتَحْ مِنَ النَّاسِ. فَإِنْ قُلْت: فَمَا فَائِدَةُ هَذَا الِالْتِفَاتِ، وَالْخِطَابُ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي وَقْتِ الْمُنَاجَاةِ، وَالْمُلْتَفَتُ إِلَيْهِمْ غَيْبٌ لَاَ يَشْعِرُونَ؟ قُلْت: إِجْرَاءُ ذَلِكَ فِي تَكْلِيمِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ فِي مَعْنَى إِجْرَائِهِ بِحَضْرَتِهِمْ وَإِلْقَائِهِ إِلَى
1 (١) . قوله «وحر مزاجه» في الصحاح: حر يحر حرا وحرارة وحرور. (ع) [.....]
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout