وَتَسْهِيلُهُ. فَإِنْ قُلْت: كَانَ حَقُّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: عَلَى قَلْبِي «َ١» . قُلْت: جَاءَتْ عَلَى حِكَايَةِ كَلَامِ اللََّّه تَعَالَى كَمَا تَكَلَّمَ بِهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: قُلْ مَا تَكَلَّمْتُ بِهِ مِنْ قَوْلِي: مَنْ كَانَ عَدُوّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَلَهُ عَلَى قَلْبِك. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ اسْتَقَامَ قَوْلُهُ: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ) جزاء للشرط «٢»؟ قُلْت: فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا إِنْ عَادَى جِبْرِيلَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا وَجْهَ لِمُعَادَاتِهِ حَيْثُ نَزَلَ كِتَابًا مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَوْ أَنْصَفُوا لِأَحَبُوهُ وَشَكَرُوا لَهُ صَنِيعُهُ فِي إنْزَالِهِ مَا يَنْفَعُهُمْ وَيُصَحِّحُ الْمَنْزِلُ عَلَيْهِمْ. وَالثَّانِي: إِنْ عَادَاهُ أَحَدٌ فَالسَّبَبُ فِي عَدَاوَتِهِ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ مُصَدِّقًا لِكِتَابِهِمْ وَمُوَافِقًا لَهُ، وَهُمْ كَارِهُونَ لِلْقُرْآنِ وَلِمُوَافَقَتِهِ لِكِتَابِهِمْ، وَلِذَلِكَ كَانُوا يَحْرِفُونَهُ وَيَجْحَدُونَ مُوَافَقَتَهُ لَهُ، كَقَوْلِكَ: إِنْ عَادَاكَ فُلَانٌ فَقَدْ أَذَيْتهُ وَأَسَأْتُ إِلَيْهِ. أَُفَرَدَّ الْمَلْكَانِ بِالذِّكْرِ لِفَضْلِهِمَا كَأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسٍ آخَرَ، وَهُوَ مِمَّا ذُكِرَ أَنَّّ التَّغَايُرَ فِي الْوَصْفِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ التَّغَايُرِ فِي الذَّاتِ. وَقُرِئَ: مِيكَالً، بِوَزْنِ قِنْطَارٍ. وَمِيكَائِيلُ كَمِيكَاعِيلَ. وَمِيكَائِلَ كَمِيكَاعِلَ. وَمِيْكَئِلٍ كَمُيْكَعَلٍ. وَمِيكِئِيلٍ كَمِيْكْعِيل. قَالَ ابْنُ جُنَىٍّ: الْعَرَبُ إِذَا نَطَقَتُ بِالْأَعْجَمِىِّ خَلَطْتْ فِيهِ. عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ أرادُ عَدُوّ لَهُمْ فَجَاءَ بِالظَّاهِرِ، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّّ اللََّّه إِنَّمَا عَادَاهُمْ لِكُفْرِهِمْ، وَأَنَّ عَدَاوَةَ الْمَلَاَئِكَةِ كُفْر، وَإِذَا كَانَتْ عَدَاوَةُ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرًَا فَمَا بَالُ الْمَلَاَئِكَةِ وَهُمْ أَشْرَفُ «٣» وَالْمَعْنَى مَنْ عَادَاهُمْ عَادَاهُ اللََّّه وَعَاقِبُهُ أَشَدِّّ الْعَقَابِ.
[سورة البقَرَةُ (٢): الآيات ٩٩ الى ١٠١]
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)
1 (١) . قال محمود رحمه الله: «فان قلت: كان حق الكلام أن يقال على قلبي … الخ» . قال أحمد رحمه الله: الحكاية مرة تكون مع التزام اللفظ، ومرة تكون بالمعنى غير متبعة للفظ، فلعل الأمر في هذه الآية توجه على النبي عليه السلام أن يحكى معنى قول اللَّه تعالى له (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ) بلفظ المتكلم ونظير هذا قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) إلى قوله: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) فانظر ما وقع بعد القول المنسوب إليهم مما يفهم أنه قول اللَّه عز وجل لا على سبيل الحكاية عنهم، إذ هم لا يقولون: فأنشرنا، وإنما يقولون: فأنشر، على لفظ الغيبة ولكن جاء الكلام حكاية على المعنى، لأن معنى قولهم: فأنشر اللَّه، هو معنى قول اللَّه عن ذاته: فأنشرنا، ولا يستتب لك أن يجعل هذا من باب الخروج من الغيبة إلى التكلم الذي يسمى التفاتا، فان في هذا مزيدًا. ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام (قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ) إلى قوله: (فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتَّى) فأول الكلام يفهم قول موسى وآخره يفهم قول اللَّه تعالى. والطريق الجامع في ذلك ما قررته واللَّه أعلم. (٢) . قال محمود رحمه الله: «فان قلت كيف استقام قوله فانه نزله جزاء للشرط … الخ»؟ قال أحمد رحمه الله: ويكون دخول الفاء في الجزاء على هذا الوجه مستحقا لسببين: أحدهما أنه جملة اسمية. والآخر أنه ماض صحيح. (٣) . قوله «فما بال الملائكة وهم أشرف» هذا عند المعتزلة. أما عند أهل السنة فالأنبياء أشرف. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout