وَبِرَقَهِ: جَمْعُ بُرْقَةٍ، وَهِيَ الْمِقْدَارُ مِنْ الْبَرْقِ، كَالْغُرْفَةِ وَاللُّقْمَةِ. وَبِرَقِهِ: بِضَمَّتَيْنِ لِلْإِتْبَاعِ. كَمَا قِيلَ فِي جَمْعِ فِعْلَةٍ: فِعَلَاتٍ كَظُلْمَاتٍ. وَسَنَاءٌ بِرَقِّهِ: عَلَى الْمَدِّّ الْمَقْصُورِ، بِمَعْنَى الضَّوْءِ. وَالْمَمْدُودِ:
بِمَعْنَى الْعُلُوِ وَالِارْتِفَاعِ، مِنْ قَوْلِكَ: سَنَىّ، الْمُرْتَفِعُ. وَيَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ عَلى زِيَادَةِ الْبَاءِ، كَقَوْلِهِ وََلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ عَنْ أَبِى جَعْفَرٍ الْمَدَنِيُّ. وَهَذَا مِنْ تَعْدِيدِ الدَّلَائِلِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَظُهُورِ أَمْرِهِ، حَيْثُ ذَكَرَ تَسْبِيحُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكُلُّ مَا يُطِيرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَدُعَاؤُهُمْ لَهُ وَابْتِهَالُهِمْ إلَيْهِ، وَأَنَّهُ سَخَّرَ السَّحَابِ التَّسْخِيرُ الَّذِي وَصَفَهُ وَمَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنْ أَفْعَالِهِ حَتَّى يَنْزِلَ الْمَطَرُ مِنْهُ، وَأَنَّهُ يُقْسِمُ رَحْمَتَهُ بَيْنَ خَلْقِهِ وَيَقْبِضُهَا وَيُبْسِطُهَا عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، وَيُرِيهِمْ الْبَرْقُ فِي السَّحَابِ الَّذِي يَكَادُ يَخْطُفُ أَبْصَارَهُمْ، لِيَعْتَبِرُوا وَيُحْذِرُوا. وَيُعَاقَبُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَيُخَالِفُ بَيْنَهُمَا بِالطُّولِ وَالْقَصْرِ. وَمَا هَذِهِ إلَّا بِرَاهِينِ فِي غَايَةِ الْوُضُوحِ عَلَى وُجُودِهِ وَثَبَاتِهِ. وَدَلَائِلُ مُنَادِيَةٌ عَلَى صِفَاتِهِ، لِمَنْ نَظَرَ وَفَكِّرٍ وَتَبَصَّرَ وَتَدَبَّرَ. فَإِنْ قُلْت: مَتَى رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْبِيحُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَدُعَاءِهُمْ، وَتَسْبِيحِ الطَّيْرِ وَدُعَاءَهُ، وَتَنْزِيلُ الْمَطَرِ مِنْ جِبَالِ بَرَدٍ فِي السَّمَاءِ، حَتَّى قِيلَ لَهُ: أَلَمْ تَرَ؟ قُلْت: عِلْمَهُ مِنْ جِهَةِ إخْبَارِ اللَّهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْوَحْى.
فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ فِي قَوْلِهِ مَِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبالٍ، مِنْ بَرَدٍ؟
قلت: الْأَولِى لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ. وَالثَّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ. وَالثَّالِثَةِ لِلْبَيَانِ. أَوْ الْأَوَّلِيَانِ لِلِابْتِدَاءِ، وَالْآخِرَةِ لِلتَّبْعِيضِ. وَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ يَنْزِلُ الْبَرْدَ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا، وَعَلَى الْأَوَّّلِ مَفْعُولٌ «َيَنْزِلُ»َ:
«ِمِنْ جِبَالِ»َ . فَإِنْ قُلْت: مَا مَعْنَى مَِنْ جِبَالٍ فَِيهَا مِنْ بَرَدٍ؟ قُلت: فِيهِ مَعْنَيَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يُخْلُقَ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ جِبَالٌ بَرْدٍ كَمَا خُلِقَ فِي الْأَرْضِ جِبَالٌ حَجَرٌ. وَالثَّانِي: أَنْ يُرِيدَ الْكَثْرَةَ بِذِكْرِ الْجِبَالِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَاَنٌ يَمْلِكُ جِبَالًا مِنْ ذَهَبَ.
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)
وقرئ: خالق كُل دابَّةَ. وَلَمَّا كَانَ اسْمُ الدَّابَّةِ مَوْقِعًا عَلَى الْمُمَيِّزِ وَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ، غَلَبَ الْمُمَيِّزِ فَأَعْطَى مَا وَرَاءَهُ حُكْمُهُ، كَأَنَّ الدَّوَابَّ كُلُّهُمْ مُمَيِّزُونَ. فَمِنْ ثَمَّةَ قِيلَ: فَمِنْهُمْ، وَقِيلَ: مَنْ يُمْشَى فِي الْمَاشِي عَلَى بَطْنٍ وَالْمَاشِي عَلَى أَرْبَعِ قَوَائِمَ. فَإِنْ قُلْت: لَمْ نَكَرَ الْمَاءَ فِي قَوْلِهِ مَِنْ مَاءًٍ؟
قُلْت: لِأَنَّّ الْمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ نَوْعٍ مِنْ الْمَاءِ مُخْتَصٌّ بِتِلْكَ الدَّابَّةِ. أَوْ خَلْقَهَا مِنْ مَاءٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ النُّطْفَةُ، ثُمَّ خَالَفَ بَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ النُّطْفَةِ، فَمِنْهَا هَوَامٌ وَمِنْهَا بِهَائِمٍ وَمِنْهَا نَاسٌ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout