دُونَ مَنْ عَدَاهُمَ، ثُمَّ تَرْجَمَ الْوَارِثِينَ بِقَوْلِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ فَجَاء بِفَخَامَةَ وَجَزَالَةُ لِإِرْثِهِمْ لَاَ تَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ. وَمَعْنَى الْإِرْثِ: مَا مَرَّّ فِي سُورَةِ مَرْيَمٍ. أَنَّثَ الْفَرْدُوسِ عَلَى تَأْوِيلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ: الْبُسْتَانُ الْوَاسِعُ الْجَامِعُ لِأَصْنَافِ الثَّمَرِ. رَوَىَ أَنَّّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَنَى جَنَّةَ الْفَرْدُوسِ لَبِنَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَجَعَلَ خِلَاَلَهَا الْمِسْكَ الْأَذْفَرَ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَلُبِنَةٍ مِنْ مَسْكِ مُذَرًّّى وَغَرَسَ فِيهَا مِنْ جَيِّدِ الْفَاكِهَةِ وَجَيِّدِ الرَّيْحَانِ.
[سورة المُؤْمِنُون (٢٣): الآيات ١٢ الى ١٤]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤)
السلالة: الخلاصة، لأنها تسلّ مِنْ بَيْنَ الْكَدْرِ، وَ«َفْعَالَةُ»ُ بِنَاءً لِلْقِلَّةِ كَالْقَلامَةِ وَالْقَمَامَةِ. وَعَنِ الْحَسَنِ: مَاءٌ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ الطِّينِ. فَإِنْ قُلْت: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مِنْ وَمِنْ؟ قُلْت: الْأَوَّّلُ لِلِابْتِدَاءِ، وَالثَّانِي لِلْبَيَانِ، كَقَوْلِهِ مَِنَ الْأَوْثانِ. فإِنْ قُلْت: مَا مَعْنَى: جَعَلْناهُ الإِنْسَانُ نَطْفَةُ؟ قُلْت:
مَعْنَاهُ أَنَّهُ خَلَقَ جَوْهَرَ الإِنْسَانِ أَوّْلا طِينًا، ثُمَّ جَعَلَ جَوْهَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نُطْفَةً. الْقَرَارَ: الْمُسْتَقِرِّّ، وَالْمُرَادُ الرَّحِمَ. وَصَفْتْ بِالْمَكَانَةِ الَّتِي هِيَ صِفَةُ الْمُسْتَقِرِّّ فِيهَا، كَقَوْلِكَ. طَرِيقٌ سَائِرٌ. أَوْ بِمَكَانَتِهَا فِي نَفْسِهَا، لِأَنَّهَا مَكَّنْتٌ بِحَيْثُ هِيَ وَأَحْرَزَتُ. قُرِئَ: عَظْمًا فَكَسُونَا الْعَظْمَ. وَعِظَامًا فَكَسُونَا الْعِظَامَ وَعَظْمًا فَكَسُونًا الْعِظَامَ. وَعِظَامًا فَكَسُونَا الْعَظْمَ: وَضْعَ الْوَاحِدِ مَكَانَ الْجَمْعِ لِزَوَالِ اللُّبْسِ، لِأَنَّّ الْإِنْسَانَ ذُو عِظَامٍ كَثِيرَةٍ خَلْقًا آخَرَ أَىُّ خَلْقًا مُبَايِنًا لِلْخَلْقِ الْأَوَّّلِ مُبَايَنَةُ مَا أَبْعَدَهَا، حَيْثُ جَعَلَهُ حَيَوَانًا وَكَانَ جِمَادًا، وَنَاطِقًا وَكَانَ أَبْكَمَ، وَسَمِيعًا وَكَانَ أَصَمَّ، وَبَصِيرًا وَكَانَ أَكْمَهُ، وَأَوْدَعَ بَاطِنُهُ وَظَاهِرُهُ- بَلْ كُلُّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ- عَجَائِبُ فِطْرَةٍ وَغَرَائِبُ حِكْمَةٍ لَا تُدْرِكُ بِوَصْفِ الْوَاصِفِ وَلَا تَبْلُغُ بِشَرْحِ الشَّارِحِ: وَقَدْ احْتَجَّّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ غَصَبَ بَيْضَةً فَأَفْرَخَتْ عِنْدَهُ قَالَ: يَضْمَنُ الْبَيْضَةَ وَلَا يَرُدُّ الْفَرْخَ، لِأَنَّهُ خَلَقٌ آخَرَ سِوَى الْبَيْضَةِ فََتَِبَارََكَ اللَّهُ فتَعَالَى أَمْرُهُ فِي قُدْرَتِهِ وَعِلْمَهُ أََحِْسَنُ الْخالِقِينَ أى: أَحْسَنَ الْمُقَدِّّرِيْنِ تَقْدِيرًا، فَتَرَكَ ذِكْرَ الْمُمَيِّزِ لِدَلَالَةِ الْخَالِقِينَ عَلَيْهِ. وَنَحْوِهِ: طَرْحُ الْمَأْذُونِ فِيهِ فِي قَوْلِهِ أَُذَِّنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ لدلالة الصلة.
ورُوِى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَلَغَ قَوْلُهُ خَلْقًا آخَرُ، قَالَ:
فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ «١» . وَرَوِىَ أَنَّّ عَبْدَ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِى سَرْحٍ كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
1 (١) . وفي الباب عن أنس قال: قال عمر: وافقت ربى في أربع فذكر الحديث- وفيه: فنزلت وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، إلى قوله خَلْقًا آخَرَ. فقلت فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. فنزلت»
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout