لِمَّا جَمَعْتُهُمْ الْمُهَاجَرَةُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الْمَوْعِدِ، وَأَنْ يُعْطَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مِثْلَ مَا يُعْطَى مِنْ قَتِلَ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسَانَا. وَاَللَّهُ عَلَيْهِمْ بِدَرَجَاتِ الْعَامِلِينَ وَمَرَاتِبِ اسْتِحْقَاقِهِمْ حَلِيمٌ عَنْ تَفْرِيطِ الْمُفَرِّطِ مِنْهُمْ بِفَضْلِهِ وَكَرْمِهُ. رَوَى أَنَّ طَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِىَ عَنْهُمْ قَالُوا: يَا نَبِىَّ اللَّهِ، هَؤُلاَءِ الَّذِينَ قَتَلُوا قَدْ عَلِمْنَا مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَنَحْنُ نُجَاهِدُ مَعَكَ كَمَا جَاهَدُوا، فَمَا لَنَا إِنْ مَتْنَا مَعَكَ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنَ.
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)
تسمِية الابْتِدَاءُ بِالْجَزَاءِ لِمُلَاَبَسَتِهِ لَهُ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ سَبَبٌ وَذَاكَ مُسَبَّبٌ عَنْهُ كَمَا يَحْمِلُونَ النَّظِيرَ عَلَى النَّظِيرِ وَالنَّقِيضِ عَلَى النَّقِيضِ لِلْمُلابَسَةِ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ طَابِقٌ ذِكْرَ الْعَفْوَّ الْغَفُورَ هَذَا الْمَوْضِعَ؟ قُلْت: الْمَعَاقِبُ مَبْعُوثٌ مِنْ جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْإِخْلَالِ بِالْعِقَابِ، وَالْعَفْوِ عَنِ الْجَانِي- عَلَى طَرِيقِ التَّنْزِيهِ لَاَ التَّحْرِيمِ- وَمَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، وَمُسْتَوْجِبٌ عِنْدَ اللَّهِ الْمَدْحِ إِنَّ آثَرَ مَا نُدِبَ إِلَيْهِ وَمِلْكَ سَبِيلِ التَّنْزِيهِ، فَحِينَ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ وَانْتَصَرَ وَعَاقِبٌ، وَلَمْ يَنْظُرْ فِي قَوْلهِ تَعَالَى فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ: فإِنّ الله لعفو غَفُور، أَى: لَاَ يَلُومَهُ عَلَى تَرْكِ مَا بَعَثَهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ لِنَصْرِهِ فِي كُرَّتِهِ الثَّانِيَةِ مِنْ إخْلَالِهِ بِالْعَفْوِ وَانْتِقَامِهِ مِنْ الْبَاغِي عَلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ لَهُ النَّصْرَ عَلَى الْبَاغِي، وَيُعَرَّّضٌ مَعَ ذَلِكَ بِمَا كَانَ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْعَفْوِ، وَيَلُوَّّح بِهِ بِذِكْرِ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ. أَوْ دَلَّّ بِذِكْرِ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ عَلَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْعُقُوبَةِ. لِأَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْعَفْوِ إِلَّا الْقَادِرُ عَلَى ضِدِّّه.
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)
ذلِكَ أى ذلك النصر بِسَبَبِ أَنَّهُ قَادِرٌ. وَمَنْ آيَاتِ قُدْرَتِهِ الْبَالِغَةُ أَنَّهُ يُوَلِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أو بسَبَبِ أَنَّهُ خَالِقُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَصْرِفُهُمَا فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا يَجْرَى فِيهِمَا عَلَى أَيْدَى عِبَادِهُ مِنْ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالْبَغْيِ وَالْإِنْصَافِ، وَأَنَّهُ سَمِِيعٌ لِمَا يَقُولُونَ بَِصِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ. فَإِنْ قُلْت: مَا مَعْنَى إِيلَاجِ أَحَدِ الْمَلَوَيْنِ فِي الْآخَرِ؟ قُلْت: تَحْصِيلُ ظُلْمَةِ هَذَا فِي مَكَانِ ضِيَاءِ ذَاكَ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ. وَضِيَاءِ ذَاكَ فِي مَكَانِ ظُلْمَةِ هَذَا بِطُلُوعِهَا، كَمَا يُضِيءُ السَّرْبَ «١»
1 (١) . قوله «كما يضيء السرب» السرب- بالفتح-: الطريق. والسرب- بالتحريك-: بيت في الأرض. أفاده الصحاح. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout