أَى قَائِمَةً مَطِلَةً عَلَى عُرُوشِهَا، عَلَى مَعْنَى أَنَّّ السُّقُوفَ سَقَطَتْ إلَى الْأَرْضِ فَصَارَتْ فِي قَرَارِ الْحِيطَانِ وَبَقِيَتْ الْحِيطَانُ مَاثِلَةً فَهِيَ مُشْرِفَةٌ عَلَى السُّقُوفِ السَّاقِطَةِ. فَإِنْ قُلْت: مَا مَحَلُّ الْجُمْلَتَيْنِ مِنْ الْإِعْرَابِ أَعْنَى وََهِيَ ظالِمَةٌ، فَهِيَ خاوِيَةٌ؟ قُلت: الْأُولِى فِي مَحَلِّ النَّصْبِ عَلَى الْحَالِ، وَالثَّانِيَةِ لَا مَحَلًّّ لَهَا لِأَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى أَهْلِكْنَاهَا، وَهَذَا الْفِعْلُ لَيْسَ لَهُ مَحَلٌّ. قَرَأَ الْحَسَنَ: مُعَطِلَةً، مَنْ أَعْطَلَهُ بِمَعْنَى عَطْلِهِ. وَمَعْنَى الْمُعَطَّلَةِ: أَنَّهَا عَامِرَةٌ فِيهَا الْمَاءَ، وَمَعَهَا آلَاتُ الِاسْتِقَاءِ، إِلَّا أَنَّهَا عَطَلَتُ، أَى: تَرَكْتُ لَا يُسْتَقَى مِنْهَا لِهَلَاكِ أَهْلِهَا. وَالْمَشِيدِ: الْمُجْصِّصِ أَوْ الْمَرْفُوعُ الْبُنْيَانَ. وَالْمَعْنَى: كَمْ قَرْيَةُ أَهْلِكْنَا؟ وَكَمْ بِئْرُ عَطْلَنَا عَنْ سُقَاتِهَا؟ وَقَصْرٍ مُشِيدٍ أَخْلَيْنَاهُ عَنْ سَاكِنَيْهِ؟ فَتَرَكَ ذَلِكَ لِدَلَالَةٍ مُعَطِلَةٍ عَلَيْهِ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّّ عََلِى عُرُوشِها بِمَعْنِى «َمْعَ»ٍ أَوْجَهٍ. رَوَىَ أَنَّّ هَذِهِ بِئْرٌ نَزَلَ عَلَيْهَا صَالِحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ أَرْبَعَةِ آلَاَفٍ نَفَرٍ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. وَنَجَّاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْعَذَابِ، وَهِيَ بِحَضَرِ مَوْتٍ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّّ صَالِحًا حِينَ حَضَرَهَا مَاتَ، وَثَمَّةُ بَلْدَةٍ عِنْدَ الْبِئْرِ اسْمُهَا «َحَاضُورَاءَ»ُ بَنَاهَا قَوْمٌ صَالِحٌ، وَأَمَّّرُوا عَلَيْهِمْ جَلْهَسُ بْنُ جِلَّاسٍ، وَأَقَامُوا بِهَا زَمَانًا ثُمَّ كَفَرُوا وَعَبْدُوا صَنَّمًا، وَأَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ حَنْظَلَةَ ابْنِ صَفْوَانَ نَبِيًّا فَقَتَلُوهُ، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ وَعَطَلَ بِئْرَهُمْ وَخَرَّبِ قُصُورِهِم.
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌِ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)
يحْتَمِل أنهُمْ لَمْ يُسَافِرُوا فَحَثُوْا عَلَى السَّفَرِ، لِيَرُوا مُصَارِعَ مِنْ أَهْلِكَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ، وَيُشَاهِدُوا آثَارَهُمْ فَيَعْتَبِرُوا. وَأَنْ يَكُونُوا قَدْ سَافَرُوا وَرَأَوْا ذَلِكَ وَلَكِنْ لَمْ يَعْتَبِرُوا، فَجَعَلُوا كَأَنْ لَمْ يُسَافِرُوا وَلَمْ يَرَوْا. وَقُرِئَ فَِتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ بِاليَاء، أَىُّ: يَعْقِلُونَ مَا يَجِبُ أَنْ يَعْقِلَ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَيَسْمَعُونَ مَا يَجِبُ سَمَاعُهُ مِنَ الْوَحِى فََإِِنَّها الضمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَالْقِصَّةُ، يَجِيءُ مُذَكَّرًا وَمُؤَنَّثًا وَفِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَإِنَّهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرًا مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ الْأَبْصارُ وفِي تُعْمَى ضَمِيرٍ رَاجِعٍ إِلَيْهِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّّ أَبْصَارَهُمْ صَحِيحَةٌ سَالِمَةٌ لَاَ عَمَى بِهَا. وَإِنَّمَا الْعَمَّى بِقُلُوبِهِمْ. أَوَّلًا يَعْتَدُّّ بِعَمَى الْأَبْصَارِ، فَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِعَمًى بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَمَى الْقُلُوبِ. فَإِنْ قُلْت: أَىُّ فَائِدَةَ فِي ذِكْرِ الصُّدُورِ؟
قُلْت: الَّذِي قَدْ تَعُورِفُ وَاعْتَقَدَ أَنَّّ الْعَمَى عَلَى الْحَقِيقَةِ مَكَانَهُ الْبَصَرَ، وَهُوَ أَنَّ تُصَابَ الْحَدَقَةِ بِمَا يُطْمَسُ نُورَهَا. وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْقَلْبِ اسْتِعَارَةً وَمِثْلً، فَلَمَّا أُرِيدَ إِثْبَاتَ مَا هُوَ خِلَافُ الْمُعْتَقِدِ مِنْ نِسْبَةِ الْعَمَى إِلَى الْقُلُوبِ حَقِيقَةً وَنَفْيُهِ عَنْ الْأَبْصَارِ، احْتَاجَ هَذَا التَّصْوِيرُ إِلَى زِيَادَةِ تَعْيِينٍ وَفَضْلِ تَعْرِيفٍ، لِيَتَقَرَّّرَ أَنَّّ مَكَانَ الْعَمَى هُوَ الْقُلُوبُ لَا الْأَبْصَارُ، كَمَا تَقُولُ: لَيْسَ الْمَضَاءُ لِلسَّيْفِ وَلَكِنَّهُ لِلسَّانِكِ الَّذِي بَيْنَ فَكِيكَ، فَقَوْلُكَ «َاَلَّذِي بَيْنَ فَكَيْكُ»ُ تَقْرِيرٌ لِمَا ادَّّعِيْتُهُ لِلسَّانِهِ وَتَثْبِيتٌ لِأَنَّّ مَحَلَّّ الْمَضَاءِ هُوَ هُوَ لَاَ غَيْرَ، وَكَأَنَّكَ قُلْت: مَا نَفِيْتُ الْمَضَاءُ عَنِ السَّيْفِ وَأَثْبَتِهُ لِلِسَّانِكِ فَلْتَةُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout