بَيْتٌ كَرِيمٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ: عَتَاقُ الْخَيْلِ وَالطَّيْرِ. فَإِنْ قُلْت: قَدْ تَسَلَّطُ عَلَيْهِ الْحَجَّاجُ فَلَمْ يُمْنَعْ. قُلْت:
مَا قَصَدَ التَّسَلُّطَ عَلَى الْبَيْتِ، وَإِنَّمَا تُحْصَنُ بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ، فَاحْتَالَ لِإِخْرَاجِهِ ثُمَّ بَنَاهُ. وَلَمَّا قَصَدَ التَّسَلُّطَ عَلَيْهِ أَبْرَهَةً، فَعَلَ بِهِ مَا فَعَل.
[سورة الحجّ (٢٢): الآيات ٣٠ الى ٣١]
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فَِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١)
ذلِكَ خبر مُبْتَدَإِ مَحْذُوفٌ، أَى: الأَمْرُ وَالشَّأْنُ ذَلِكَ، كَمَا يُقَدَّّمُ الْكَاتِبِ جُمْلَةً مِنْ كِتَابِهِ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي، ثُمَّ إِذَا أَرَادَ الْخَوْضَ فِي مَعْنًى آخَرَ قَالَ: هَذَا وَقَدْ كَانَ كَذَا. وَالْحُرْمَةُ: مَا لَاَ يَحِلُّ هَتْكَهُ. وَجَمِيعُ مَا كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَغَيْرِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي جَمِيعِ تَكَالِيفِهِ، وَيُحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: الْحُرُمَاتِ خُمْسَ الْكَعْبَةِ الْحَرَامِ، وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامَ، وَالْبَلَدُ الْحَرَامَ، وَالشَّهْرُ الْحَرَامَ، وَالْمُحْرِمُ حَتَّى يَحِلَّ فََهُوَ خَيْرٌ لَهُ أى فَالتَّعْظِيمُ خَيْرٌ لَهُ. وَمَعْنَى التَّعْظِيمِ: الْعِلْمُ بِأَنَّهَا وَاجِبَةُ الْمُرَاعَاةِ وَالْحِفْظِ وَالْقِيَامِ بِمُرَاعَاتِهَا. الْمُتْلُوّ لَاَ يُسْتَثْنَى مِنَ الأَنْعَامِ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى إِِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ آية تَحْرِيمُهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ والمُعْنِى: أَنّ اللَّهُ قَدْ أَحَلَّ لَكُمْ الْأَنْعَامَ كُلُّهَا إِلَّاَّ مَا اسْتَثْنَاهُ فِي كِتَابِهِ، فَحَافَظُوا عَلَى حُدُودِهِ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُحْرِمُوا مِمَّا أَحَلَّ شَيْئًا، كَتَحْرِيمِ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنْ تَحِلُّوا مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، كَاحِلَالِهِمْ أَكْلَ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمَيْتَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
لِمَا حَثَّ عَلَى تَعْظِيمِ حُرْمَاتِهِ وَأَحْمَدَ مَنْ يَعْظُمُهَا «َ١» أَتْبَعَهُ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ الْأَوْثَانِ وَقَوْلُ الزُّورِ، لِأَنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَنَفَى الشُّرَكَاءَ عَنْهُ وَصَدَّقَ الْقَوْلُ أَعْظَمُ الْحُرَمَاتِ وَأَسْبَقَهَا خَطْوًا. وَجَمْعُ الشِّرْكِ وَقَوْلُ الزُّورِ فِي قِرَانٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ أَنَّّ الشِّرْكَ مِنْ بَابِ الزُّورِ لِأَنَّّ الْمُشْرِكَ زَاعِمٌ أَنَّّ الْوَثْنَ تَحِقُّ لَهُ الْعِبَادَةُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَاجْتَنِبُوا عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ الَّتِي هِيَ رَأْسُ الزُّورِ وَاجْتَنَبُوا قَوْلَ الزُّورِ كُلِّهِ لَا تَقْرَبُوا شَيْئًا مِنْهُ لِتَمَادِيهِ فِي الْقُبْحِ وَالسَّمَاجَةِ. وَمَا ظَنُّكَ بِشَيْءٍ مِنْ قَبِيلِهِ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ. وَسَمَّى الْأَوْثَانِ رَجِسًا وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ وَالْمُيْسِرُ وَالْأَزْلَامُ، عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ. يَعْنِى: أَنَّكُمْ كَمَا تَنْفِرُونَ بِطَبَاعِكُمْ عَنِ الرَّجْسِ وَتَجْتَنِبُونَهُ، فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِثْلُ تِلْكَ النَّفَرَةِ. وَنَبَّهَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ جعل العِلة فِي اجْتِنَابِهِ أَنَّهُ رَجِسٌ، وَالرَّجْسُ مُجْتَنِبٌ مِنَ الْأَوْثانِ
1 (١) . قوله «وأحمد من يعظمها» في الصحاح «أحمدته»: وجدته محمودا موافقا مرضيا. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout