الْمُفْجَّرَةُ فِي نَفْسِهَا، نِعْمَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ لِلْفَرِيقَيْنَ، وَلَكِنَّ الْكَسْلَانَ مَحْنَةٌ عَلَى نَفْسِهِ، حَيْثُ حَرَّمَهَا مَا يَنْفَعُهَا. وَقِيلَ: كَوْنُهُ رَحْمَةً لِلْفُجَّارِ، مِنْ حَيْثُ أَنَّّ عُقُوبَتَهُمْ أُخِّرْتْ بِسَبَبِهِ وَأَمِنُوا بِهِ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ.
قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)
إنما لقَصر الحُكمِ عَلَى شَيْءٍ، أَوْ لِقَصْرِ الشَّيْءِ عَلَى حُكْمٍ، كَقَوْلِكَ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ، وَإِنَّمَا يَقُومُ زَيْدٌ. وَقَدْ اجْتَمَعَ الْمِثَالَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّ إِنَّما يُوحِى إِِلَيَّ مع فَاعِله، بِمَنْزِلَةَ: إِنَّمَا يَقُومُ زَيْدٌ. وَأََنَّما إِِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ بِمَنْزِلَةَ: إِنَّمَا زَيْدٌ قَائِمٌ. وَفَائِدَةُ اجْتِمَاعِهِمَا: الدَّلَاَلَةُ عَلَى أَنَّ الْوَحِى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْصُورٌ عَلَى اسْتِئْثَارِ اللَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ: وَفِي قَوْلِهِ فََهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَنَّ الْوَحِى الْوَارِدُ عَلَى هَذَا السُّنَنِ مُوجِبٌ أَنْ تَخْلِصُوا التَّوْحِيدَ لِلَّهِ، وَأَنْ تَخْلِعُوا الأَنْدَادَ. وَفِيهِ أَنَّ صِفَةَ الْوَحْدَانِيَّةِ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ طَرِيقُهَا السَّمْعَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى:
أَنَّ الَّذِي يُوحَى إِلَى، فَتَكُونُ «َمَا»ٌ مَوْصُولَةً.
[سورة الأنبِيَاءُ (٢١): الآيات ١٠٩ الى ١١١]
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١)
آذن: مَنْقُول مَنْ أَذِنَ إِذَا عَلِمَ، وَلَكِنَّهُ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجَرْيِ مَجْرَى الْإِنْذَارِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فََأَْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وقَول ابْنُ حَلْزَةَ:
آذَنْتِنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ «١»
والْمَعْنِى: أَنِّى بَعْدَ تَوَلِّيكُمْ وَإِعْرَاضِكُمْ عَنْ قَبُولِ مَا عَرِضَ عَلَيْكُمْ مِنْ وُجُوبِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنِ الأَنْدَادِ وَالشُّرَكَاءِ، كَرَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ هَدْنَةٌ فَأَحَسُّ مِنْهُمْ بِغَدْرَةٍ، فَنَبِذَ الْيَهِمُ الْعَهْدَ، وَشَهْرَ النَّبْذِ وَأَشَاعَهُ وَآذِنَهُمْ جَمِيعًا بِذَلِكَ عََلِى سَوَاءٍ أَىُّ مُسْتَوِينِ فِي الْإِعْلَامِ بِهِ، لَمْ يُطَوْهِ عَنْ
1 (١) . آذنتنا ببينها أسماء … رب ثاو يمل منه الثواء للحارث بن حلزة مطلع معلقته. وأذن الشيء: علمه بحاسة الأذن، وتوسع فيه حتى صار بمعنى مطلق العلم. وآذنه- بالمد-: أعلمه. والبين: مصدر بمعنى البعد والفراق. وتقدم أن «أسماء» من الوسامة أى الحسن. والثاوي: المقيم. والملل: السآمة. والثواء: الاقامة. يقول: أعلمتتا لفراقها. ورب سقيم يسأم الناس من إقامته، وهي ليست كذلك. وحذف هذا للعلم به من المقام.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout