إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ … الآيَة، فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزَّبَعْرِىِّ فَرَآهُمْ يَتَهَامَسُونَ، فَقَالَ: فِيمَ خَوْضِكُمْ؟ فَأَخْبَرَهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لِخِصْمَتِهِ، فَدَعُوْهُ. فَقَالَ ابْنُ الزَّبَعْرِىِّ: أَأَنْتَ قُلْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ خَصَّمْتُكَ وَرَبَّ الْكَعْبَةِ. أَلَيْسَ الْيَهُودُ عَبْدُوا عُزِيْرًا، وَالنَّصَارَىُّ عَبْدُوا الْمَسِيحَ، وَبَنُو مُلِيحٍ عَبْدُوا الْمَلاَئِكَةَ؟
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: بَلْ هُمْ عَبْدُوا الشَّيَاطِينَ الَّتِي أَمَرْتُهُمْ بِذَلِكَ «١» . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى إِِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى … الآيَةِ يَعْنِى عُزَيْرًا وَالْمَسِيحُ وَالْمَلَاَئِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ. فَإِنْ قُلْتَ:
لم قَرَنُوا بِآلِهَتِهِمْ؟ قُلْت: لِأَنَّهُمْ لاَ يَزَالُونَ لِمُقَارَنَتِهِمْ فِي زِيَادَةٍ غَمّّ وَحَسْرَةٍ، حَيْثُ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِهِمَ. وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّّ بَابٌ مِنَ الْعَذَابِ، وَلِأَنَّهُمْ قَدّْرُوا، أَنَّهُمْ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِمْ فِي الآخِرَةِ وَيَسْتَنْفِعُونَ بِشَفَاعَتِهِمْ، فَإِذَا صَادَفُوا الْأَمْرَ عَلَى عَكْسِ مَا قَدَرُوا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ.
فَإِنْ قُلْت: إِذَا عَنَيْتُ بِمَا تَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ، فَمَا مَعْنَى لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ؟ قُلْت: إِذَا كَانُوا هُمْ وَأَصْنَامُهُمْ فِي قَرْنٍ «٢» وَاحِدٌ، جَازَ أَنْ يُقَالَ: لَهُمْ زُفَيْرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّافِرِينَ إِلَّا هُمْ دُونَ الْأَصْنَامِ لِلتَّغْلِيبِ وَلِعَدَمِ الْإِلْبَاسِ. وَالْحَصَبِ: الْمَحْصُوبِ بِهِ، أَى: يَحْصُبُ بِهِمْ فِي النَّارِ. وَالْحَصَبِ: الرَّمْيَ.
وَقُرِئَ بِسُكُونِ الصَّادِ، وَصْفًا بِالْمَصْدَرِ. وَقُرِئَ حَطَبٌ، وَحَضَبَ، بِالضَّادِ مُتَحَرِّكًا وَسَاكِنًا.
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: يَجْعَلُونَ فِي تَوَابِيتِ مِنْ نَارٍ فَلَاَ يَسْمَعُونَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُصُمَهُمُ اللَّهُ كَمَا يَعْمِيهِمْ.
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١)
1 (١) . هكذا ذكره الثعلبي ثم البغوي بغير إسناد. لم أجده هكذا إلا ملفقا فأما صدره ففي الطبراني الصغير في أواخره من حديث ابن عباس قال «دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنما قد شدت أقدامها برصاص- الحديث» وأما قوله «وكانت صناديد قريش فقصة أخرى ذكرها ابن إسحاق في المغازي والطبري من طريقه قال «جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما في المسجد مع رجال من قريش فعرض له النضر بن الحرث فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه- فذكر نحو المذكور هنا إلى آخره وفيه «إن كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده إنهم إنما يعبدون الشياطين» وروى ابن مردويه والواحدي من طريق أبى رزين عن أبى يحيى عن ابن عباس قال «لما نزلت إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ … الآية شق ذلك على قريش وقالوا: يشتم آلهتنا. فجاء ابن الزبعرى. وقال: يا محمد هذا شتم لآلهتنا خاصة، أم لكل من عبد من دون الله؟ قال: لكل من عبد من دون الله. قال. خصمتك ورب الكعبة- فذكر نحوه. «تنبيهان» أحدهما: اشتهر في ألسنة كثير من علماء العجم وفي كتبهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه القصة لابن الزبعرى «ما أجهلك بلغة قومك. فانى قلت: وما تعبدون. وهي لما لا يعقل. ولم أقل: ومن تعبدون اه. وهو شيء لا أصل له. ولا يوجد لا مسندا ولا غير مسند. الثاني قال السهيلي اعتراض ابن الزبعرى غير لازم، لأن الخطاب مخصوص بقريش وما يعبدون من الأصنام. ولذلك أتى بما الواقعة على ما لا يعقل اه. وحديث ابن عباس الذي تقدم ينقض عليه هذا التأويل. فانه صرح بأن المراد كل ما يعبد من دون الله (٢) . قوله «في قرن هو حبل يقرن به البعيران. أفاده الصحاح. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout