حُكْمٌ وَفَوَائِدَ. وَإِنَّمَا شَرَطَ ذَلِكَ لِمَا فِي ذَبْحِ الْبَقَرَةِ مِنْ التَّقَرُّّبِ وَأَدَاءِ التَّكَالِيفِ وَاكْتِسَابِ الثَّوَابِ وَالْإِشْعَارِ بِحُسْنِ تَقْدِيمِ الْقُرْبَةِ عَلَى الطَّلَبِ، وَمَا فِي التَّشْدِيدِ عَلَيْهِمْ لِتَشْدِيدِهِمْ مِنْ اللُّطْفِ لَهُمْ، وَلِآخَرِينَ فِي تَرْكِ التَّشْدِيدِ وَالْمُسَارَعَةِ إلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِ اللََّّه تَعَالَى وَارْتِسَامُهَا عَلَى الْفَوْرِ، مِنْ غَيْرِ تَفْتِيشٍ وَتَكْثِيرِ سُؤَالٍ، وَنَفْعِ الْيَتِيمِ بِالتِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى بَرَكَةِ الْبِرِّّ بِالْوَالِدَيْنَ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْأَوْلَادِ، وَتَجْهِيلُ الْهَازِئِ بِمَا لَا يَعْلَمُ كَنَّهُهُ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَى حَقِيقَتِهِ مِنْ كَلَامِ الْحُكَمَاءِ، وَبَيَانِ أَنَّّ مِنْ حَقِّ الْمُتَقَرِّّبِ إلَى رَبِّهِ أَنْ يَتَنَوَّّقَ «َ١» فِي اخْتِيَارِ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ، وَأَنْ يَخْتَارَهُ فَتَىّ السِّنَّ غَيْرَ قَحِمٍ وَلَا ضَرْعٍ، حَسَنُ اللَّوْنِ بَرْيًّا مِنْ الْعُيُوبِ يُونُقُ مَنْ يَنْظُرُ إلَيْهِ، وَأَنْ يُغَالَى بِثَمَنِهِ، كَمَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ ضَحَّى بِنَجِيْبَةٍ «َ٢» بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارً، وَأَنَّّ الزِّيَادَةَ فِي الْخِطَابِ نُسِخٌ لَهُ، وَأَنَّ النَّسْخَ قَبْلَ الْفِعْلِ جَائِزٌ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ وَإِمْكَانِهِ لِأَدَائِهِ إلَى الْبِدَاءِ، وَلْيُعْلَمْ بِمَا أَمَرَ مِنْ مَسِّ الْمَيِّتِ بِالْمَيِّتِ وَحُصُولِ الْحَيَاةِ عَقِيبَهُ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ الْمُسَبَّبُ لَا الْأَسْبَابُ، لِأَنَّ الْمَوْتِينَ الْحَاصِلِينَ فِي الْجِسْمَيْنِ لَا يَعْقِلُ أَنْ تَتَوَلَّدَ مِنْهُمَا حَيَاةً. فَإِنْ قُلْت: فَمَا لِلْقَصَّةِ لَمْ تَقُصَّ عَلَى تَرْتِيبِهَا، وَكَانَ حَقُّهَا أَنْ يُقُدَّّمَ ذِكْرِ الْقَتِيلِ وَالضَّرْبِ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ عَلَى الْأَمْرِ بِذَبْحِهَا، وَأَنْ يُقَالَ: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّّارْأَتُمْ فِيهَا فَقُلْنَا اذْبَحُوا بَقَرَةً وَاضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا؟ قُلْت: كُلُّ مَا قَصَّ مِنْ قَصَصِ بَنَى إسْرَائِيلَ إنَّمَا قَصَّ تَعْدِيدًٌا لِمَا وُجِدَ مِنْهُمْ مِنْ الْجِنَايَاتِ، وَتَقْرِيعًا لَهُمْ عَلَيْهَا، وَلَمَّا جَدَّدَ فِيهِمْ مِنْ الْآيَاتِ الْعِظَامِ. وَهَاتَانِ قِصَّتَانِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُسْتَقِلَّةٌ بِنَوْعٍ مِنْ التَّقْرِيعِ وَإِنْ كَانَتَا مُتَّصِلَتَيْنِ مُتَّحِدَّتَيْنِ، فَالْأَوْلَى لِتَقْرِيعِهِمْ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ وَتَرْكِ الْمُسَارَعَةِ إلَى الِامْتِثَالِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ لِلتَّقْرِيعِ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّّمَةِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ. وَإِنَّمَا قَدَّّمَتْ قِصَّةُ الْأَمْرِ بِذَبْحِ الْبَقَرَةِ عَلَى ذِكْرِ الْقَتِيلِ لِأَنَّهُ لَوْ عَمِلَ عَلَى عَكْسِهِ لَكَانَتْ قِصَّةً وَاحِدَةً، وَلِذَهَبِ الْغَرَضِ فِي تَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ. وَلَقَدْ رُوعِيْتْ نُكْتَةً بَعْدَ مَا اُسْتُؤْنَفَتْ الثَّانِيَةُ اسْتِئْنَافَ قِصَّةٍ بِرَأْسِهَا أَنْ وَصَلَتْ بِالْأُولَى، دَلَالَةً عَلَى اتِّحَادِهِمَا بِضَمِيرِ الْبَقَرَةِ لَا بِاسْمِهَا الصَّرِيحِ فِي قَوْلِهِ: (اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها)
حتى تَبِينَ أَنَّهُمَا قُصَّتَانِ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى التَّقْرِيعِ وَتَثْنِيَتُهُ بِإِخْرَاجِ الثَّانِيَةِ مَخْرَجَ الِاسْتِئْنَافِ مَعَ تَأْخِيرِهَا، وَأَنَّهَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ بِالضَّمِيرِ الرَّاجِعُ إلَى الْبَقَرَةِ.
1 (١) . قوله «أن يتنوق» في الصحاح: تنوق في الأمر، أى تأنق فيه. ويفيد أيضًا أن «القحم» المسن الفاني، و«الضرع» بالتحريك الضعيف النحيف. و«الأنق» الفرح والسرور. (ع) (٢) . أخرجه أبو داود من رواية الجهم بن الجارود عن سالم عن أبيه. قال: «أهدى عمر رضي الله عنه نجيبة فأعطى بها ثلاثمائة دينار. فقال يا رسول اللَّه أفأبيعها وأشترى بثمنها بدنا؟ قال: لا، أنحرها إياها» .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout