أَوْ مِنْ ثَمَّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ يَجْعَلُوا خُلَفَاءَ بِأَنْ يُقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُقُلْ. أَوْ يَقُولُهُ رَبُّ الْعِزَّةِ وَيَسْمَعُهُ مَلَائِكَتُهُ لِيَنْفَعَهُمْ فِي دِينِهِمْ. أَوْ يَلْهِمْهُمْ ذَلِكَ فَيُحْدُثُوا بِهِ نُفُوسَهُمْ وََارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ الرَّأْفَةُ وَالْحَالُ النَّاعِمَةُ. وَالْإِتْرَافُ: إِبْطَارُ النِّعْمَةِ وَهِيَ التَّرْفَةُ لَِعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ تهكم بهمْ وَتَوبِيخٌ، أَى: ارْجِعُوا إِلَى نَعَيْمِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئِلُونَ غَدًا عَمَّا جَرَى عَلَيْكُمْ وَنَزَلَ بِأَمْوَالِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ، فَتُجِيبُوا السَّائِلَ عَنْ عِلْمٍ وَمُشَاهَدَةٍ. أَوْ ارْجِعُوا وَاجْلِسُوا كَمَا كُنْتُمْ فِي مَجَالِسِكُمَ. وَتَرَتَّبُوا فِي مَرَاتِبِكُمْ حَتَّى يَسْأَلَكُمْ عُبِيدَكُمْ وَحَشْمَكُمْ وَمَنْ تَمْلِكُونَ أَمْرَهُ وَيَنْفُذُ فِيهِ أَمْرُكُمْ وَنَهْيَكُمْ وَيَقُولُ لَكُمْ: بِمَ تَأْمُرُونَ؟ وَبِمَاذَا تَرْسَمُونَ؟ وَكَيْفَ نَأْتِى وَنَذَرَ كَعَادَةِ الْمُنْعِمِينَ الْمُخْدَّمِيْنَ؟
أَوْ يَسْأَلُكُمْ النَّاسُ فِي أَنْدِيْتِكُمْ الْمُعَاوِنَ فِي نَوَازِلِ الْخُطُوبِ، وَيَسْتَشِيرُونَكُمْ فِي الْمُهِمَّاتِ وَالْعَوَارِضِ وَيَسْتَشِفُونَ بِتَدَابِيرِكُمْ، وَيَسْتَضِيئُونَ بِآرَائِكُمْ. أَوْ يَسْأَلُكُمْ الْوَافِدُونَ عَلَيْكُمْ وَالطَّمَاعُ وَيَسْتَمْطِرُونَ سَحَائِبُ أَكْفِكُمْ، وَيَمْتَرُونَ أَخْلَافُ «١» مَعْرُوفُكُمْ وَأَيَّادِيكُمْ: إِمَّا لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَسْخِيَاءَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءُ النَّاسِ وَطَلَبَ الثَّنَاءَ، أَوْ كَانُوا بِخَلَاءٍ فَقِيلَ لَهُمْ ذَلِكَ تُهَكُّمَا إلَى تَهَكُّمٍ، وَتَوْبِيخًا إلَى تَوْبِيخِ تَِلْكَ إِشَارَةً إِلَى يَا وَيْلَنَا، لِأَنَّهَا دَعْوَى، كَأَنَّهُ قِيلَ: فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الدَّعْوَى دَعْوَاهُمْ وَالدَّعْوِىُّ بِمَعْنَى الدَّعْوَةِ. قَالَ تَعَالَى وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. فإِنَّ قُلْت: لَمَ سُمِّيْتُ دَعْوَى؟ قُلْتَ:
لأَنَّ الْمَوْلُولَ كَأَنَّهُ يَدْعُو الْوَيْلَ، فَيَقُولُ تَعَالَى: يَا وَيْلَ فَهَذَا وَقْتُك. وَتَِلْكَ مَرْفُوعٌ أَوْ مَنْصُوبٌ اسْمًا أَوْ خَبَرًا وَكَذَلِكَ دَعْوَاهُمَ. الْحَصِيدُ: الزَّرْعُ الْمَحْصُودُ، أَى: جَعَلْنَاهُمْ مِثْلَ الْحَصِيدِ، شَبْهَهُمْ بِهِ فِي اسْتِنْصَالِهِمْ وَاصْطِلَامِهِمْ «٢» كَمَا تَقُولُ: جَعَلْنَاهُمْ رِمَادًا، أَى مِثْلَ الرَّمَادِ. وَالضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ هُوَ الَّذِي كَانَ مُبْتَدَأٌ وَالْمَنْصُوبَانِ بَعْدَهُ كَانَا خَبَرَيْنِ لَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا جَعَلَ نَصْبَهَا جَمِيعًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ. فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُنْصِبُ «َجَعَلَ»َ ثَلَاَثَةَ مَفَاعِيلَ؟ قُلْت: حُكْمُ الِاثْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ حُكْمُ الْوَاحِدِ، لِأَنَّّ مَعْنَى قَوْلِكَ «َجْعَلْتُهُ حُلُّوا حَامِضَا»َ جَعَلْتُهُ جَامِعًا لِلطَّعْمَيْنِ. وَكَذَلِكَ مَعْنَى ذَلِكَ: جَعَلْنَاهُمْ جَامِعِينَ لِمُمَاثَلَةِ الْحَصِيدِ وَالْخُمُودِ.
[سورة الأنبِيَاء (٢١): الآيات ١٦ الى ١٧]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧)
أى: وما سُوِينَا هَذَا السَّقَفُ الْمَرْفُوعُ وَهَذَا الْمُهَادُ الْمَوْضُوعُ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ أَصْنَافِ الْخَلَائِقِ مَشْحُونَةٌ بِضُرُوبِ الْبَدَائِعِ وَالْعَجَائِبِ، كَمَا تَسَوَّى الْجَبَابِرَةُ سُقُوفَهُمْ وَفَرْشَهُمْ وَسَائِرُ زَخَارِفِهِمْ،
1 (١) . قوله «ويمترون أخلاف معروفكم» في الصحاح: الريح تمرى السحاب وتمتريه، أى تستدره. وفيه أيضا: الخلف- بالكسر- حلية ضرع الناقة. (ع) (٢) . قوله «واصطلامهم» في الصحاح «الاصطلام» الاستئصال. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout