إلَيْهِ. عَطْفُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قِصَّةُ آدَمَ عَلَى قَوْلِهِ وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ والمُعنِى:
وأَقْسِمُ قَسْمًا لَقَدْ أَمَرَنَا أَبَاهُمْ آدَمَ وَوَصِيْنَاهُ أَنْ لَا يَقْرَبَ الشَّجَرَةَ، وَتَوَعَّدْنَاهُ بِالدُّخُولِ فِي جُمْلَةِ الظَّالِمِينَ إِنْ قَرُبَهَا، وَذَلِكَ مِنْ قِبَلِ وُجُودِهِمْ وَمَنْ قَبْلَ أَنْ نَتَوَعِدَهُمْ، فَخَالَفَ إِلَى مَا نَهَى عَنْهُ، وَتَوَعَّدَ فِي ارْتِكَابِهِ مُخَالَفَتُهُمْ، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى الْوَعِيدِ كَمَا لَا يَلْتَفِتُونَ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّّ أَسَاسَ أَمْرَ بَنَى آدَمَ عَلَى ذَلِكَ، وَعَرَقَهُمْ رَاسِخٌ فِيهِ. فَإِنْ قُلْت: مَا الْمُرَادُ بِالنِّسْيَانِ؟ قُلْتُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ نَقِيضُ الذِّكَرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَعْنْ بِالْوَصِيَّةِ الْعِنَايَةَ الصَّادِقَةَ، وَلَمْ يَسْتَوْثِقْ مِنْهَا بِعَقْدِ الْقَلْبِ عَلَيْهَا وَضَبَطَ النَّفْسَ، حَتَّى تُوَلَّدَ مِنْ ذَلِكَ النِّسْيَانِ. وَأَنْ يُرَادَ التَّرْكَ وَأَنَّهُ تَرَكَ مَا وَصَّى بِهِ مِنْ الِاحْتِرَاسِ عَنِ الشَّجَرَةِ وَأَكْلَ ثَمَرَتِهَا. وَقُرِئَ: فَنَسِيَ، أَىَّ: نَسَاهُ الشَّيْطَانِ. الْعَزْمُ: التَّصْمِيمُ وَالْمَضَىّ عَلَى تَرْكِ الْأَكْلِ، وَأَنْ يَتَصَلَّبَ فِي ذَلِكَ تَصَلُّبًا يُؤَيِّسُ الشَّيْطَانُ مِنْ التَّسْوِيلِ لَهُ. وَالْوُجُودُ:
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، وَمَفْعُولَاهُ لََهُ عَزْمًا وَأَنْ يَكُونَ نَقِيضُ الْعَدَمِ كَأَنَّهُ قَالَ:
وَعَدَمْنَا لَهُ عَزَمًا.
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦)
إِذْ منصُوب بمُضْمَر، أَى: وَاذْكُرْ وَقْتَ مَا جَرَى عَلَيْهِ مِنْ مُعَادَاةِ إِبْلِيسَ وَوَسَوَسَتِهِ إِلَيْهِ وَتَزْيِينُهِ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ الشَّجَرَةِ، وَطَاعَتِهِ لَهُ بَعْدَ مَا تَقَدَّّمَتْ مَعَهُ النَّصِيحَةُ وَالْمَوْعِظَةُ الْبَلِيغَةُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ كَيْدِهِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَوْلَى الْعَزْمِ وَالثَّبَاتِ. فَإِنْ قُلْت: إِبْلِيسَ كَانَ جَنِّيًّا بِدَلِيلِ قَوْلِه تَعَالَى كَانََ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ فَمِنْ أَيِّنَ تَنَاوُلَهُ الأَمْرُ وَهُوَ لِلْمَلَاَئِكَةِ خَاصَّةً؟ قُلْتُ كَانَ فِي صُحْبَتِهِمْ، وَكَانَ يَعْبُدُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَتُهُمْ، فَلَمَّا أَمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَالتَّوَاضُعِ لَهُ كَرَامَةٌ لَهُ، كَانَ الْجَنَى الَّذِي مَعَهُمْ أَجْدَرَ بِأَنَّ بِتَوَاضُعَ، كَمَا لَوْ قَامَ لِمُقْبِلٍ عَلَى الْمَجْلِسِ عَلِيَّةُ أَهْلِهِ وَسُرَاتِهُمْ، كَانَ الْقِيَامُ عَلَى وَاحِدٍ بَيْنَهُمْ هُوَ دُونَهُمْ فِي الْمَنْزِلَةِ أَوْجَبَ، حَتَّى إِنْ لَمْ يَقُمْ عِنْفً. وَقِيلَ لَهُ: قَدْ قَامَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَمَنْ أَنْتَ حَتَّى تَتَرَفَّعَ عَنْ الْقِيَامِ؟ فَإِنْ قُلْت: فَكَيْفَ صَحَّّ اسْتِثْنَاؤُهُ وَهُوَ جَنَى عَنْ الْمَلَائِكَةِ؟ قُلْت: عَمِلَ عَلَى حُكْمِ التَّغْلِيبِ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ، فَأَخْرَجَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى ذَلِكَ، كَقَوْلِكَ: خَرَجُوا إِلَّا فُلَانَةَ، لِامْرَأَةٍ بَيْنَ الرِّجَالِ أََبَى جُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةً، كَأَنَّهُ جَوَابٌ قَائِلٌ قَالَ: لِمَ لَمْ يَسْجُدْ. وَالْوَجْهُ أَنْ لَا يُقْدَّرَ لَهُ مَفْعُولٌ، وَهُوَ السُّجُودُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فََسَجَدُوا وَأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَظْهَرُ الْإِبَاءِ وَتَوَقَّفَ وَتَثْبُطِ
فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧)
فَلا يُخْرِجَنَّكُما فَلا يَكُونِنُ سَبَبًا لِإِخْرَاجِكُمَا. وَإِنَّمَا أَسْنَدُ إِلَى آدَمَ وَحْدَهُ فِعْلُ الشِّقَاءِ دُونَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout