قُرِئَ لِِحِْيَتِي
بفَتْح اللَّامِ «١» وَهِيَ لُغَةً أَهْلُ الْحِجَازِ، كَانَ مُوسَى صَلَوَاتِ اللَّهِ عَلَيْهِ رَجُلًا حَدِيدًا مَجْبُولًا عَلَى الْحِدَّةِ وَالْخُشُونَةِ وَالتَّصَلُّبِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، شَدِيدُ الْغَضَبِ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ، فَلَمْ يَتَمَالَكْ حِينَ رَأَى قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ عَجْلًا مِنْ دُونِ اللَّهِ بَعْدَ مَا رَأَوْا مِنَ الْآيَاتِ الْعِظَامِ، أَنْ أَلْقَى أَلْوَاحَ التَّوْرَاةِ لَمَّا غَلَبَ ذَهْنَهُ مِنْ الدَّهْشَةِ الْعَظِيمَةِ، غَضَبًا لِلَّهِ وَاسْتِنْكَافًا وَحُمْيَةً، وَعَنْفَ بِأَخِيهِ وَخَلِيفَتِهِ عَلَى قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ إقْبَالُ الْعَدَّوِ الْمُكَاشِفِ قَابِضًا عَلَى شَعْرِ رَأْسِهِ- وَكَانَ أَفْرَعُ «َ٢» - وَعَلَى شَعْرِ وَجْهِهِ يَجْرُّّهُ إِلَيْهِ. أَى: لَوْ قَاتَلَتْ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ لِتَفَرُّقُوا وَتَفَانُوا، فَاسْتَأْنَيْتُكَ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ الْمُتَدَارَكُ بِنَفْسِكَ، الْمُتَلَافَى بِرَأْيِكَ وَخَشِيْتُ عَتَابَكَ عَلَى إِطْرَاحِ مَا وَصِيْتَنِى بِهِ مِنْ ضَمِّ النَّشْرِ وَحِفْظُ الدُّهَمَاءِ «٣»، وَلَمْ يَكُنْ لِي بُدَّ مِنْ رَقَبَةِ وَصِيَّتِكَ وَالْعَمَلِ عَلَى مُوجِبِهَا.
[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٥ الى ٩٦]
قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)
الخطب: مَصْدر خَطَبَ الأَمْرِ إِذَا طَلَبَهُ، فَإِذَا قِيلَ لِمَنْ يَفْعَلُ شَيْئًا: مَا خَطَبَكَ؟ فَمَعْنَاهُ:
ما طَلَبَكَ لَهُ؟ قُرِئٌ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ بالكسر «٤»، والْمَعْنَى: عَلِمْتُ مَا لَمْ تَعْلَمُوهُ، وَفَطَنَتُ مَا لَمْ تُفْطِنُوا لَهُ. قَرَأَ الْحَسَنَ قَبْضَةً بضُمِّ الْقَافِ وَهِيَ اسْمُ الْمَقْبُوضِ، كَالْغُرْفَةِ وَالْمُضْغَةِ.
وَأَمَّا الْقَبْضَةُ فَالْمَرَّةُ مِنْ الْقَبْضِ، وَإِطْلَاقُهَا عَلَى الْمَقْبُوضِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ، كَضَرْبِ الْأَمِيرِ. وَقَرَأَ أَيْضًا: فَقَبَصَتْ قُبْصَةً، بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ. الضَّادِّ: بِجَمِيعِ الْكَفِّ. وَالصَّادِ: بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ. وَنَحْوِهِمَا: الْخَضْمُ، وَالْقَضْمُ: الْخَاءُ بِجَمِيعِ الْفَمِ، وَالْقَافِ بِمُقَدَّمِهِ: قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ:
مِنْ أَثَرَ فَرَسِ الرَّسُولِ. فَإِنْ قُلْت: لَمْ سَمَّاهُ الرَّسُولُ دُونَ جِبْرِيلِ وَرُوحِ الْقُدْسِ؟ قُلْت: حِينَ حَلَّ مِيعَادُ الذَّهَابِ إِلَى الطُّورِ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَى مُوسَى جِبْرِيلُ رَاكِبٍ حَيْزُومُ فَرَسَ الْحَيَاةِ لِيَذْهَبَ بِهِ، فَأَبْصَرَهُ السَّامِرِيُّ فَقَالَ: إِنَّّ لِهَذَا شَأْنَا، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرْبَةِ مُوَطِئِهِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ مُوسَى عَنْ قِصَّتِهِ قَالَ: قَبَضْتُ مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الْمُرْسَلِ إِلَيْكَ يَوْمَ حُلُولِ الْمِيعَادِ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ جِبْرِيل.
قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)
1 (١) . قوله «قرئ بلحيتي بفتح اللام» والقراءة المشهورة: بالكسر. (ع) (٢) . قوله «وكان أفرع» أى تام الشعر. أفاده الصحاح. (ع) (٣) . قوله «وحفظ الدهماء» أى الجماعة، أفاده الصحاح. (ع) (٤) . قوله «وقرئ بصرت بما لم يبصروا به بالكسر» والقراءة المشهورة بالضم. وقرئ: تبصروا به. بالتاء: وعبارة النسفي: وبالتاء حمزة وعلى، ولعلها سقطت هنا سهوا من الناسخ، فليحرر. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout