صَفًا لِأَنَّهُ أَهَيبُ فِي صُدُورِ الرَّائِينَ. وَرَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَبَلٌ وَعَصًا وَقَدْ أَقْبَلُوا إقْبَالَةً وَاحِدَةً. وَعَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ أَنَّهُ فَسَّرَ الصَّفِّ بِالْمُصَلَّى، لِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِعِيدِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ مُصْطِفِينَ. وَوَجْهُ صِحَّتِهِ أَنْ يَقَعَ عِلْمًا لِمُصَلًّى بِعَيْنِهِ، فَأَمِرُوا بِأَنْ يَأْتُوهُ. أَوْ يُرَادَ.
ائِتُوا مُصَلًّى مِنْ الْمُصَلِّيَّاتِ وََقَدْ أََفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسِْتَعْلى اعْتِرَاض. يَعْنِى: وَقَدْ فَازَ مَنْ غَلَبَ.
[سورة طه (٢٠): الآيات ٦٥ الى ٦٦]
قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦)
أَنْ مع ما بَعْدَهُ إِمَّا مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ. أَوْ مَرْفُوعٍ بِأَنَّهُ خَبَرٌ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٌ. مَعْنَاهُ:
اخْتَرْ أَحَدُ الأَمْرَيْنِ، أَوْ الْأَمْرِ إِلْقَاؤُك أَوْ إِلْقَاؤُنَا. وَهَذَا التَّخْيِيرُ مِنْهُمْ اسْتِعْمَالُ أَدَبٍ حَسَنٍ مَعَهُ، وَتَوَاضَعَ لَهُ وَخَفْضَ جُنَاحٍ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى إِعْطَائِهِمْ النِّصْفَةُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ «١»، وَكَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَعَلا أَلْهُمْهُمْ ذَلِكَ، وَعُلِمَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ اخْتِيَارُ إلْقَائِهِمْ أَوْ لَا، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ مُقَابَلَةِ أَدَبٍ بِأَدَبٍ، حَتَّى يَبْرُزُوا مَا مَعَهُمْ مِنْ مَكَايِدِ السِّحْرِ. وَيَسْتَنْفِدُوا أَقْصَى طَوْقِهِمْ وَمَجْهُودِهُمْ، فَإِذَا فَعَلُوا: أَظْهَرَ اللَّهُ سُلْطَانُهُ وَقَذَفَ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَدَمَغَهُ، وَسَلَّطَ الْمُعْجِزَةُ عَلَى السِّحْرِ فَمَحَقَّتُهُ، وَكَانَتْ آيَةُ نِيرَةً لِلنَّاظِرِينَ، وَعِبْرَةُ بَيِّنَةٍ لِلْمُعْتَبَرِينَ. يُقَالُ فِي «َإِذَا»ِ هَذِهِ: إِذَا الْمُفَاجَأَةُ. وَالتَّحْقِيقُ فِيهَا أَنَّهَا إذَا الْكَائِنَةُ بِمَعْنَى الْوَقْتِ، الطَّالِبَةِ نَاصِبًا لَهَا وَجُمْلَةً تُضَافُ إلَيْهَا، خَصَّتْ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِأَنْ يَكُونَ نَاصِبُهَا فِعْلًا مَخْصُوصًا وَهُوَ فِعْلُ الْمُفَاجَأَةِ الْجُمْلَةُ ابْتِدَائِيَّةٌ لَا غَيْرَ، فَتَقْدِيرُ قَوْله تَعَالَى فََإِِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ فَفَاجأ مُوسَى وَقْتُ تَخْيِيلٍ سَعَى حِبَالُهُمْ وَعَصَيْهِمْ. وَهَذَا تَمْثِيلٌ. وَالْمَعْنَى:
عَلَى مُفَاجَأَتَهُ حِبَالُهُمْ وَعَصَيْهِمْ مَخِيلَةٌ إِلَيْهِ السَّعِى. وَقُرِئَ عِصِيُّهُمْ بالضم وَهُو الأَصْلُ، وَالْكَسْرُ إِتْبَاعً، وَنَحْوُهُ: دَلَّىّ وَدَلَّىّ، وَقَسَىّ وَقَسَىّ. وَقُرِئَ «َتَخَيَّلُ»ُ عَلَى إِسْنَادِهِ إِلَى ضَمِيرِ الْحِبَّالِ وَالْعَصَى وَإِبْدَالُ قَوْلِهِ أََنَّها تَسْعى مِنَ الضَّمِيرِ بَدَلَ الِاشْتِمَالِ، كَقَوْلِكَ: أَعْجَبَنِى زَيْدٌ كَرْمَهُ، وَتَخَيَّلُ عَلَى كَوْنِ الْحِبَالِ وَالْعَصَىّ مَخِيلَةً سَعْيِهَا. وَتَخَيَّلُ. بِمَعْنَى تَتَخَيَّلُ. وَطَرِيقِهِ طَرِيقٌ تَخَيُّلٍ. وَنُخِيلٌ: عَلَى أَنَّّ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُخِيلُ لِلْمَحْنَةِ وَالِابْتِلَاءِ. يُرْوَى أَنَّهُمْ لَطَخُوهَا بِالزَّئْبَقِ، فَلَمَّا ضَرَبْتْ عَلَيْهَا الشَّمْسُ اُضْطَرَبْتْ وَاهْتَزْتْ، فَخِيَّلَتْ ذَلِكَ.
1 (١) . قال محمود: «لقد ألهمهم الله حسن الأدب مع موسى عليه السلام في تخييره وإعطاء النصفة من أنفسهم» قال أحمد: وقبل ذلك تأدبوا معه بقولهم فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ ففوضوا ضرب الموعد إليه، وكما ألهم الله عز وجل موسى هاهنا أن يجعلهم مبتدئين بما معهم ليكون إلقاؤه العصا بعد قذفا بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، كذلك ألهمه من الأول أن يجعل موعدهم يوم زينتهم وعيدهم، ليكون الحق أبلج على رؤس الأشهاد، فيكون أفصح لكيدهم وأهتك لستر حرمهم، والله أعلم
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout