إذْ لَا شَيْءَ أَطَمُّ عَلَى الْكُفْرَةِ وَلَا هُمْ أَشَدُّ لَهُ نَكِيرًا مِنْ الْبَعْثِ، فَلَا يُهَولَنَّك وَفَوْرُ دُهْمَائِهِمْ وَلَا عَظْمَ سَوَادِهِمْ، وَلَا تُجْعَلُ الْكَثْرَةُ مَزِلَةَ قَدَّمَك، وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ وَإِنْ كَثُرُوا تِلْكَ الْكَثْرَةَ فَقُدْوتُهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ هُوَ الْهَوَى وَاتِّبَاعُهُ، لَا الْبُرْهَانِ وَتَدَبَّرُهُ. وَفِي هَذَا حَثٌّ عَظِيمٌ عَلَى الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ، وَزَجَرَ بَلِيغٍ عَنْ التَّقْلِيدِ، وَإِنْذَارٌ بِأَنَّ الْهَلَاكَ وَالرُّدَى مَعَ التَّقْلِيدِ وَأَهْلِهُ.
[سورة طه (٢٠): الآيات ١٧ الى ١٨]
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسِى كَقَوْلِهِ تَعَالَى وََهَذَا بَِعْلِي شَيْخًا فِي انْتِصَابِ الْحَالِ بِمَعْنَى الْإِشَارَةِ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ تَِلْكَ اسما مَوْصُولًا صِلَّتَهُ بَِيَمِينِكَ إِنَّمَا سَأَلَهُ لِيَرِيَهِ عَظْمَ مَا يَخْتَرِعُهُ عَزَّ وَعَلًا فِي الْخَشَبَةِ الْيَابِسَةِ مِنْ قَلْبِهَا حَيَّةً نَضْنَاضَةٍ «َ١» وَلْيُقَرَّرْ فِي نَفْسِهِ الْمُبَايَنَةِ الْبَعِيدَةَ بَيْنَ الْمَقْلُوبِ عَنْهُ وَالْمَقْلُوبُ إلَيْهِ، وَيُنْبِّهُهُ عَلَى قُدْرَتِهِ الْبَاهِرَةِ. وَنَظِيرُهُ أَنْ يَرِيَكَ الزِّرَّادَ زُبْرَةً مِنْ حَدِيدٍ وَيَقُولُ لَكَ: مَا هِيَ؟ فَتَقُولُ: زُبْرَةُ حَدِيدٍ، ثُمَّ يَرِيكَ بَعْدَ أَيَّامٍ لُبُوسًا مُسْرِدًا فَيَقُولُ لَكَ: هِيَ تِلْكَ الزُّبْرَةُ صِيرَتُهَا إِلَى مَا تَرَى مِنْ عَجِيبِ الصَّنْعَةِ وَأُنِيقَ السَّرْدُ. قَرَأَ ابْنُ أَبِى إِسْحَاقَ: عَصَىّ، عَلَى لُغَةِ هُذَيْل.
وَمِثْلَهُ يَا بَُشْرِى أَرَادُوا كَسْرَ مَا قَبْلَ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقَلَبُوا الْأَلْفَ إِلَى أُخْتِ الْكَسْرَةِ وَقَرَأَ الْحَسَنَ عََصَايََ بِكَسْرِ الْيَاءِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنِينَ، وَهُوَ مِثْلُ قِرَاءَةِ حَمْزَةَ بِِمُصْرِخِيَّ وعَن ابْنِ أَبِى إِسْحَاقَ: سُكُونُ الْيَاءِ أََتَوَكَّؤُا عَلَيْها أَعْتَمَدُ عَلَيْهَا إِذَا أَعْيَيْتَ أَوْ وَقَفْتُ عَلَى رَأْسِ الْقَطِيعِ وَعِنْدَ الطُّفْرَةِ «٢» . هش الْوَرْقُ: خَبَطُهُ، أَى: أَخْبَطَهُ عَلَى رُؤْسِ غَنَمِي تَأْكُلُهُ. وَعَنْ لُقْمَانِ ابْنِ عَادٍ: أَكَلْتُ حَقًّا وَابْنُ لَبُونٍ وَجَذَعَ. وَهِشَةُ نَخْبٍ وَسَيْلًا دَفْعً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ غَيْرِ شِبْعٍ، سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْعَرَبِ. وَنَخْبٍ: وَادٍ قَرِيبٌ مِنْ الطَّائِفِ كَثِيرِ السِّدْرِ. وَفِي قِرَاءَةِ النَّخَعِيِّ: أَهْشٌ، وَكِلاَهُمَا مِنْ هَشِ الْخُبْزِ يَهْشَ: إِذَا كَانَ يَنْكَسِرُ لِهِشَاشَتِهِ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَهْسٍ بِالسِّينَ، أَى: أَنْحَى عَلَيْهَا زَاجِرًا لَهَا. وَالْهَسَ: زَجَرَ الْغَنَمَ. ذَكَرَ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ الْمَنَافِعِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْعَصَا، كَأَنَّهُ أَحَسُّ بِمَا يَعْقِبُ هَذَا السُّؤَالُ مِنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ يُحَدِّثُهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ: مَا هِيَ إِلَّا عَصًّا لَا تَنْفَعُ إِلَّا مَنَافِعَ بَنَاتِ جِنْسِهَا وَكَمَا تَنْفَعُ الْعِيدَانِ، لِيَكُونَ جَوَابُهُ مُطَابِقًا لِلْغَرَضِ الَّذِي فَهِمَهُ مِنْ فَحْوَى كَلَامِ رَبِّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعْدَّدَ الْمَرَافِقِ الْكَثِيرَةَ الَّتِي عَلَّقَهَا بِالْعَصَا وَيَسْتَكْثِرُهَا وَيَسْتَعْظِمُهَا، ثُمَّ يَرِيهِ عَلَى عَقِبِ ذَلِكَ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: أَيْنَ أَنْتَ عَنْ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ الْعُظْمَى وَالْمَأْرِبَةِ الْكُبْرَى الْمَنْسِيَّةُ عِنْدَهَا كُلُّ مَنْفَعَةٍ وَمَأْرِبَةٍ كُنْتُ تَعْتَدُّّ بِهَا وَتَحْتَفِلُ
1 (١) . قوله «حية نضناضة» أى تحرك لسانها في فمها. أفاده الصحاح. (ع) (٢) . قوله «الطفرة» أى الوثبة. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout