وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا يُسَمَّى أَحَدُ الرَّحْمَنِ غَيْرَهُ. وَوَجْهٌ آخَرَ: هَلْ تَعْلَمُ مَنْ سَمَّى بِاسْمِهِ عَلَى الْحَقِّ دُونَ الْبَاطِلِ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الْبَاطِلِ فِي كَوْنِهَا غَيْرَ مُعْتَدٍّّ بِهَا كُلًّا تَسْمِيَةً. وَقِيلَ:
مَثَلًا وَشَبِيهَا، أَى: إذَا صَحَّ أَنْ لَا مَعْبُودَ يُوَجَّهُ إلَيْهِ الْعِبَادُ الْعِبَادَةُ إلَّا هُوَ وَحْدَهُ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ عِبَادَتِهِ وَالِاصْطِبَارِ عَلَى مَشَاقِهَا وَتَكَالِيفِهَا.
[سورة مَريمُ (١٩): الآيات ٦٦ الى ٦٧]
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)
يحْتَمِل أَنْ يُرَادَ بِالإِنْسَانِ الْجِنْسَ بِأَسْرِهِ، وَأَنْ يُرَادَ بَعْضَ الْجِنْسِ وَهُمْ الْكُفْرَةُ. فَإِنْ قُلْت: لَمَ جَازَتْ إِرَادَةُ الأُنَاسِى كُلُّهُمْ، وَكُلُّهُمْ غَيْرُ قَائِلِينَ ذَلِكَ؟ قُلْت: لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ مَوْجُودَةً فِيمَنْ هُوَ مِنْ جِنْسِهِمْ، صَحَّ إِسْنَادُهُ إِلَى جَمِيعِهِمْ، كَمَا يَقُولُونَ: بَنُو فُلَانٍ قَتِلُوا فُلَاَنًا، وَإِنَّمَا الْقَاتِلُ رَجُلٌ مِنْهُمْ. قَالَ الْفَرْزْدَقُ:
فَسَيْفُ بَنِى عَبْسٍ وَقَدْ ضَرَبُوا بِهِ … نَبًا بِيَدِي وَرَقَاءٍ عَنْ رَأْسِ خَالِدٍ «١»
فَقَدْ أَسْنَدَ الضَّرْبَ إِلَى بَنِى عَبْسٍ مَعَ قَوْلِهِ «َنَبًا بِيَدِي وَرِقَاءِ»ٍ وَهُوَ وَرِقَاءُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ جُذَيْمَةَ الْعَبْسِيُّ.
فَإِنَّ قُلْت: بِمَ انْتَصَبَ إِِذَا وَانْتِصَابُهُ بِأَخْرَجَ مُمْتَنِعٌ لِأَجْلِ اللَّامِ، لَا تَقُولُ: الْيَوْمَ لِزَيْدٍ قَائِمٍ؟ قُلْتَ:
بِفِعْلِ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ. فَإِنْ قُلْت: لَامَ الِابْتِدَاءِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْمُضَارِعِ تُعْطَى مَعْنَى الْحَالِ، فَكَيْفَ جَامَعْتْ حَرْفَ الِاسْتِقْبَالِ؟ «٢» قُلْت: لَمْ تُجَامِعْهَا إِلَّا مُخَلَّصَةً لِلتَّوْكِيدِ كَمَا أَخْلَصَتْ الْهَمْزَةُ فِي يَا اللَّهِ لِلتَّعْوِيضِ وَاضْمَحَلَ عَنْهَا مَعْنَى التَّعْرِيفِ. وَ«ِمَا»ٌ فِي إِِذَا مَا لِلتَّوْكِيدِ أَيْضًا، فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا:
أَحِقَّا أَنَا سَنَخْرِجُ أَحْيَاءُ حِينَ يَتَمَكَّنُ فِينَا الْمَوْتُ وَالْهَلَاكُ؟ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِنْكَارِ وَالِاسْتِبْعَادِ.
وَالْمُرَادُ الْخُرُوجُ مِنْ الْأَرْضِ، أَوْ مِنْ حَالِ الْفِنَاءِ. أَوْ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَرَجَ فُلَانٌ عَالِمًا، وَخَرَجَ
1 (١) . للفرزدق وهذا لقبه، واسمه همام أو هميم، يريد: ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي، أمره سليمان بن عبد الملك بضرب أعناق بعض أسرى الروم، وأعطاه سيفا لا يقطع فقال: بل أضربهم بسيف أبى رغوان مجاشع، يعنى نفسه، فضرب عنق خالد فانحرف السيف وارتفع عن المضرب، فضحكوا منه. ونسب السيف والضرب إلى بنى عبس مع أنهما لواحد منهم، تعظيما لهما وتفخيما. وجعله في اليدين إشارة إلى أنه كان مجمعا أمره وحازما عزمه غير متهاون.. والمعنى: أن الحذر لا ينفع من القدر كما وقع لورقاء، مع أنه في غاية الحرص، لا سيما أمام الملك. ويجوز أنه يريد ذم بنى عبس. (٢) . قال محمود: «إن قلت كيف اجتمعت اللام وهي للحال مع حرف الاستقبال … الخ» قال أحمد: ولاعتقاد تناقض الحرفين: منع الكوفيين اجتماعهما، وإنما جردت اللام من معناها لتلائم «سوف» دون أن تجرد سوف لتلائم اللام، لأنه لو عكس هذا للغت سوف، إذ لا معنى لها سوى الاستقبال. وأما اللام إذا جردت من الحال بقي لها التوكيد، فلم تلغ، فتعين، والله أعلم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout