مِنْ النَّاسِ مَنْ يَأْكُلُ الْوَجْبَةَ «١» . وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْكُلُ مَتَى وُجِدَ- وَهِيَ عَادَةُ الْمَنْهُومِينَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى- وَهِيَ الْعَادَةُ الْوُسْطَى الْمَحْمُودَةُ، وَلَا يَكُونُ ثُمَّ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، وَلَكِنْ عَلَى التَّقْدِيرِ، وَلِأَنَّ الْمُتَنَعِّمَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ وُجَدَ غِدَاءً وَعِشَاءً. وَقِيلَ: أَرَادَ دَوَامَ الرِّزْقِ وَدُرُورِهِ، كَمَا تَقُولُ: أَنَا عِنْدَ فُلَانٍ صَبَّاحًا وَمَسَاءً وَبَكْرَةً وَعَشْيًا، يُرِيدُ: الدَّيْمُومَةَ، وَلَا تَقْصِدُ الْوَقْتَيْنِ الْمَعْلُومِينَ.
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)
نُورِثُ وقُرئ: نُورّث، اسْتِعَارَةُ، أَىِّ: نَبْقِى عَلَيْهِ الْجَنَّةُ كَمَا نَبْقَى عَلَى الْوَارِثِ مَالَ الْمُورِّّثِ وَلِأَنَّ الْأَتِقِيَاءَ يَلْقُونَ رَبُّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَدْ انْقَضَتْ أَعْمَالُهُمْ وَثَمَرَتُهَا بَاقِيَةً وَهِيَ الْجَنَّةُ، فَإِذَا أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ فَقَدْ أَوْرَثَهُمْ مِنْ تَقَوَاهُمْ كَمَا يُورَّثُ الْوَارِثِ الْمَالَ مِنَ الْمُتَوَفَّى. وَقِيلَ: أَوْرِثُوا مِنَ الْجَنَّةِ الْمَسَاكِنِ الَّتِي كَانَتْ لِأَهْلِ النَّارِ لَوْ أَطَاعُوا.
وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بََيْنَ ذلِكَ وَما كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)
وَما نَتَنَزَّلُ حِكَايَة قَوْل جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ اسْتَبْطَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم. رَوَىَ أَنَّهُ احْتَبَسَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَذِى الْقَرْنَيْنِ وَالرُّوحِ، فَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يُجِيبُ وَرَجًا أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ فِيهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَّاَهُ فَلَمَّا نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: أَبْطَأْتُ حَتَّى سَاءَ ظَنًى وَاشْتَقَّتْ إِلَيْكَ. قَالَ: إِنِّى كُنْتُ أَشُوقُ وَلَكَنَى عَبْدٌ مَأْمُورٌ، إِذَا بَعَثَتْ نَزَلَتْ، وَإِذَا حَبِسَتْ احْتَبَسْت. وَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَسُورَةُ الضُّحَى «٢» . وَالتَّنَزُّلُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ: مَعْنَى النُّزُولِ عَلَى مَهْلٍّ، وَمَعْنَى النُّزُولِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَقَوْلِهِ:
1 (١) . قوله «من الناس من يأكل الوجبة» أى يأكل كل يوم وليلة مرة، وقد وجب نفسه توجيبا إذا عودها ذلك، كذا في الصحاح. (ع) (٢) . ذكره الثعلبي عن عكرمة والضحاك وقتادة ومقاتل والكلبي. فقالوا، احتبس، فذكره سواء، وكأنه ملفق عندهم، فقد ذكره ابن إسحاق في السيرة. قال حدثني شيخ من أهل مصر عن عكرمة عن ابن عباس «أن قريشا جاءوا فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول- فذكر القصة- وفيها «فمكث فيما يذكرون خمسة عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وصار لا يأتيه جبريل. فذكره بتغير وزيادة ونقص. ورواه أبو نعيم في الدلائل من طريقه ومن طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس نحوه. وقال أبطأ عنه خمسة عشر يوما لتركه الاستثناء.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout