إلَّا الَّتِي تَخْتَصُّ مِنْهُمَا بِرَبِّ الْعِزَّةِ مِنْ عِصْيَانِهِ وَاسْتِكْبَارِهِ، وَلَمْ يُلْتَفِتْ إلَى ذِكْرِ مُعَادَاتِهِ لِآدَمَ وَذُرِّّيَتِهِ كَأَنَّ النَّظَرَ فِي عِظْمِ مَا ارْتَكَبَ مِنْ ذَلِكَ غَمْرَ فِكْرِهَ وَأَطْبَقَ عَلَى ذِهْنِهِ. ثُمَّ رُبِعَ بِتَخْوِيفِهِ سُوءَ الْعَاقِبَةِ وَبِمَا يَجُرُّهُ «َ١» مَا هُوَ فِيهِ مِنْ التَّبْعَةِ وَالْوَبَالِ، وَلَمْ يَخْلْ ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبَ، حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ بِأَنَّ الْعِقَابَ لَا حَقَّ لَهُ وَأَنَّ الْعَذَابَ لَا صَقَّ بِهِ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: أَخَافُ أَنْ يُمْسِكَ عَذَابً، فَذَكَرَ الْخَوْفَ وَالْمَسُّ وَنَكَرَ الْعَذَابُ، وَجَعَلَ وِلَايَةَ الشَّيْطَانِ وَدُخُولِهُ فِي جُمْلَةِ أَشْيَاعِهِ وَأَوْلِيَائِهِ أَكْبَرُ مِنْ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ رِضْوَانَ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ الثَّوَابِ نَفْسَهُ، وَسَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَشْهُودُ لَهُ «َ٢» بِالْفَوْزِ الْعَظِيمِ حَيْثُ قَالَ وََرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فَكَذَلك وِلَايَةُ الشَّيْطَانِ الَّتِي هِيَ مُعَارَضَةُ رِضْوَانَ اللَّهِ، أَكْبَرُ مِنْ الْعَذَابِ نَفْسَهُ وَأَعْظَمَ، وَصَدَّرُ كُلِّ نَصِيحَةٍ مِنْ النَّصَائِحِ الْأَرْبَعِ بِقَوْلِهِ يَا أََبََتِ تُوَسَّلًا إِلَيْهِ وَاسْتِعْطَافًا. فَ مَا
فِي مَا لَاَ يَسْمَعُ
وما لَمْ يَأْتِكَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً وَمَوْصُوفَةً، وَالْمَفْعُولُ فِي لاَ يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
منسى غَيْرُ مَنْوِيٍّ، كَقَوْلِكَ: لَيْسَ بِهِ اسْتِمَاعٌ وَلَاَ إِبْصَارَ شََيْئًا
يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ الْمَصْدَرِ، أَى: شَيْئًا مِنَ الْغِنَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَدِّرَ نَحْوَهُ مَعَ الْفِعْلَيْنِ السَّابِقِينَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًاً بِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَغَنَ عَنِّى وَجْهِكَ إِِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فِيهِ تَجَدُّدُ الْعِلْمُ عِنْدَهُ.
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)
لما أطلعه عَلى سَمَاجَةِ صُورَةِ أَمْرِهِ، وَهَدْمَ مَذْهَبِهُ بِالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ، وَنَاصِحُهُ الْمُنَاصَحَةُ الْعَجِيبَةُ مَعَ تِلْكَ الْمُلَاطَفَاتِ، أَقْبَلَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ بِفَظَاظَةِ الْكُفْرِ وَغَلَظَةِ الْعِنَادِ، فَنَادَاهُ بِاسْمِهِ، وَلَمْ يُقَابَلْ يَا أََبََتِ بَيَا بُنِىّ، وَقَدَّمُ الْخَبَرُ عَلَى الْمُبْتَدَأِ فِي قَوْلِهِ أََرَاغِِبٌ أََنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِِبْراهِيمُ لأَنَّهُ كَانَ أَهُمَّّ عِنْدَهُ وَهُوَ عِنْدَهُ أَعْنَى، وَفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّعَجُّبِ وَالْإِنْكَارِ لِرَغْبَتِهِ عَنْ آلِهَتِهِ، وَأَنَّ آلِهَتَهُ، مَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْغَبَ عَنْهَا أَحَدٌ. وَفِي هَذَا سِلْوَانٌ وَثَلْجٌ لِصَدْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا كَانَ يُلْقَى مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ كُفَّارِ قَوْمِهِ لَِأََرْجُمَنَّكَ لأَرْمِينَك بِلسَّانِي، يُرِيدُ الشَّتْمَ وَالذِّمَّّ، وَمِنْهُ الرَّّجِيمِ المرمىّ بِاللَّعن. أَوْ لَأَقْتُلَنَّكَ، مِنْ رَجَمِ الزَّانِي. أَوْ لَأَطْرَدْنَّكَ رَمْيًا بِالْحِجَارَةِ.
وَأَصْلُ الرَّجْمِ: الرَّمْيَ بِالرَّجَامِ «٣» مََلِيًّا زَمَانا طَوِيلًاً مِنَ الْمُلَاوَةِ: أَوْ مَلِيًّا بِالذَّهَابِ عَنِّى
1 (١) . قوله «وبما يجره» لعله وما يجره، فيكون عطفا على سوء العاقبة. (ع) (٢) . قوله «وسماه الله تعالى المشهود له» لعله «مشهود له بأن رضوانه أكبر من الثواب» فليحرر. (ع) (٣) . قوله «وأصل الرجم الرمي بالرجام» أى الحجارة الضخام، كذا في الصحاح. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout