إنْ شَاءَ اللَّهُ وَفِيهِ وَجْهٌ ثَالِثً، وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ أََنْ يَشاءَ اللَّهُ «١» في مَعْنَى كَلِمَةِ تَأْبِيدٍ، كَأَنَّهُ قِيلَ وَلَا تَقُولُنَّهُ أَبَدًا. وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ وََمَا يََكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لأن عودهُم فِي مِلَّتِهِمْ مِمَّا لَنْ يَشَاءَهُ اللَّهُ.
وَهَذَا نَهَى تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ حِينَ قَالَتْ الْيَهُودُ لِقُرَيْشٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَعَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَذِى الْقَرَنَيْنِ. فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: ائْتُونِي غَدًا أَخْبَرُكُمْ وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْى حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ وَكَذَّبَتُهُ قُرَيْشٌ وََاذِْكُرْ رَبَّكَ أى مَشِيئَةَ رَبِّك وَقُل: إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا فَرَّطَ مِنْكَ نِسْيَانٌ لِذَلِكَ. وَالْمَعْنَى:
إِذَا نَسِيَتْ كَلِمَةَ الِاسْتِثْنَاءِ ثُمَّ تَنَبَّهْتْ عَلَيْهَا فَتَدَارَكَهَا بِالذِّكْرِ «٢» . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
وَلَوْ بَعْدَ سَنَةِ مَا لَمْ تَحْنَثْ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: وَلَوْ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةً. وَعَنْ طَاوُسٍ: هُوَ عَلَى ثُنْيَاهُ «٣» مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ. وَعَنِ الْحَسَنِ نَحْوَهُ. وَعَنْ عَطَاءٍ: يُسْتَثْنَى عَلَى مِقْدَارِ حَلَبِ نَاقَةٍ غَزِيرَةً. وَعِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ مَا لَمْ يَكُنْ مَوْصُولًا. وَيُحْكَى أَنَّهُ بَلَغَ الْمَنْصُورُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْفَصِلِ، فَاسْتَحْضَرَهُ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هَذَا يَرْجِعُ عَلَيْكَ، إِنَّكَ تَأْخُذُ الْبَيْعَةَ بِالْأَيْمَانِ، أَفْتَرْضَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ عِنْدِكَ فَيَسْتَثْنُوا فَيَخْرِجُوا عَلَيْكَ؟ فَاسْتَحْسَنَ كَلَامُهُ وَرَضِىَ عَنْهُ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى:
وَاذْكُرْ «٤» رَبُّكَ بِالتَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ إِذَا نَسِيَتْ كَلِمَةُ الِاسْتِثْنَاءِ، تَشْدِيدًا فِي الْبَعْثِ عَلَى الِاهْتِمَامِ بِهَا. وَقِيلَ: وَاذْكُرْ رَبُّكَ إِذَا تَرَكْتْ بَعْضُ مَا أَمْرَكَ بِهِ. وَقِيلَ: وَاذْكُرْهُ إِذَا اعْتِرَاكَ النِّسْيَانِ لِيَذْكُرُكَ الْمِنْسَى، وَقَدْ حُمِلَ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ الْمِنْسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِهَا. وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى نَبَإِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ. وَمَعْنَاهُ: لَعَلَّ اللَّهُ يُؤْتِيَنَى مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْحُجَجِ عَلَى أَنِّى نَبِىّ صَادِقٌ مَا هُوَ أَعْظَمُ فِي الدَّلَاَلَةِ وَأَقْرَبُ رُشْدًا مِنْ نَبَأِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ حَيْثُ آتَاهُ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْإِخْبَارِ بِالْغُيُوبِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَدْلَّّ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: إِذَا نَسِيَتُ شَيْئًا فَاذْكُرْ رَبُّكَ.
وَذَكَرَ رَبُّكَ عِنْدَ نِسْيَانِهِ أَنْ تَقُولَ: عَسِى رَبِّى أَنْ يَهْدِيَنِي لِشَيْءٍ آخَرَ بَدَلَ هَذَا الْمِنْسَى أَقْرَبُ مِنْهُ رَشَدًا وَأَدْنِى خَيْرًا وَمَنْفَعَةً. وَلَعَلَّ النِّسْيَانَ كَانَ خِيْرَةً، كَقَوْلِهِ أََوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها.
1 (١) . قوله «إن شاء الله» لعله أن يشاء الله. (ع) [.....] (٢) . عاد كلامه. قال: «وقوله وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ أى كلمة الاستثناء ثم تنبهت لها، فتداركها بالذكر. وعن ابن عباس: ولو بعد سنة ما لم تحنث إلى قوله: وعند عامة الفقهاء … الخ» قال أحمد: أما ظاهر الآية فمقتضاه الأمر بتدارك المشيئة متى ذكرت ولو بعد الطول. وأما حلها لليمين حينئذ فلا دليل عليه منها، والله أعلم (٣) . قوله «هو على ثنياه» في الصحاح «الثنيا» بالضم: الاسم من الاستثناء. (ع) (٤) . قال محمود: «ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح … الخ» قال أحمد: ويؤيد هذا التأويل بقوله تعالى أول القصة أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا فافتتح ذكر القصة بتقليل شأنها وإنكار عده من عجائب آيات الله، ثم ختمها بأمره عليه الصلاة والسلام بطلب ما هو أرشد وأدخل في الآية والله أعلم.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout