مُسْتَبْدًّ بِنَفْسِهِ وََنَأَى بِجانِبِهِ تَأْكِيدُ لِلْإِعْرَاضِ، لِأَنَّّ الْإِعْرَاضَ عَنِ الشَّيْءِ أَنْ يُوَلِّيَهُ عَرَضَ وَجْهَهُ. وَالنَّأْى بِالْجَانِبِ: أَنْ يُلْوَى عَنْهُ عَطْفُهُ وَيُوَلِّيهِ ظَهْرَهُ، وَأَرَادَ الِاسْتِكْبَارَ، لِأَنَّّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْمُسْتَكْبِرِينَ وََإِِذا مَسَّهُ الشَّرُّ منْ فَقْر أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَازِلَةٍ مِنَ النَّوَازِلِ كَانََ يَؤُسًا شَدِيدُ الْيَأْسِ مِنْ رُوحِ اللَّهِ إِِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ. وقُرِّئ: ونَاءَ بِجَانِبِهِ، بِتَقْدِيمِ اللَّامِ عَلَى الْعَيْنِ، كَقَوْلِهِمْ «ِرَاءَ»ٌ فِي «ُرْأَى»ٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ «ِنَاءِ»ٍ بِمَعْنَى «َنْهْضَ»ٍ قُلْ كُلٌّ أَحَدٌ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ أى عَلى مَذْهَبِهِ وَطَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشَاكِلُ حَالُهُ فِي الْهُدَى وَالضَّلاَلَةِ، مِنْ قَوْلِهِمْ «ِطَرِيقِ ذُو شَوَاكِلَ»َ وَهِيَ الطُّرُقُ الَّتِي تَتَشَعَّبُ مِنْهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فََرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا أى أَسدّ مَذْهَبًا وَطَرِيقَةُ.
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِِلاَّ قَلِيلًا (٨٥)
الأكثر على أنه الرُّوح الَّذِي فِي الْحَيَوَانِ. سَأَلُوهُ عَنْ حَقِيقَتِهِ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، أَى مِمَّا اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِهِ. وَعَنِ ابْنِ أَبِى بُرَيْدَةَ. لَقَدْ مَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا يَعْلَمُ الرُّوحَ «١» .
وَقِيل: هُوَ خَلْقٌ عَظِيمٌ رُوحَانِى أَعْظَمُ مِنَ الْمِلْكِ. وَقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَاَمُ. وَقِيلَ: الْقُرْآنَ.
ومَِنْ أََمْرِ رَبِّي أَى مَنْ وَحْيهِ وَكَلَاَمُهُ، لَيْسَ مِنْ كَلَاَمِ الْبَشَرِ، بَعِثْتَ الْيَهُودُ إِلَى قُرَيْشٍ أَنَّ سَلَّوهُ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، وَعَنْ ذِى الْقَرَنَيْنِ، وَعَنِ الرُّوحِ، فَإِنْ أَجَابَ عَنْهَا أَوْ سَكَتَ فَلَيْسَ بِنَبِىٍّّ، وَإِنْ أَجَابَ عَنْ بَعْضٍ وَسَكَتَ عَنْ بَعْضٍ فَهُوَ نَبِىٌّّ، فَبَيْنَ لَهُمْ الْقِصَّتَيْنِ وَأَبْهَمَ أَمْرَ الرُّوحِ وَهُوَ مُبْهَمٌ فِي التَّوْرَاةِ، فَنَدِمُوا عَلَى سُؤَالِهِمْ «٢» وََما أَُوِتَِيتُمْ الْخِطَّابُ أَمْ أَنْتَ مَعْنَاهُ فِيهِ؟ فَقَالَ:
بِلْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ لَمْ نُؤْتُ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّاَّ قَلِيلًاً، فَقَالُوا: مَا أَعْجِبُ شَأْنُكَ: سَاعَةً تَقُولُ وََمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وسَاعَةُ تَقُولُ هَذَا «٣»، فَنَزَلَتْ: وََلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ
1 (١) . ذكره الواحدي في الوسيط عن عبد الله بن بريدة بهذا في حديث لم يسبق إسناده (٢) . لم أجده هكذا. وذكره ابن هشام في السيرة عن زياد عن أبى إسحاق. وكذا أخرجه البيهقي في الدلائل من طريقه «أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى اليهود يسألونهم عن أشياء يمتحنون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا لهم سلوه عن ثلاث، فإذا عرفها فهو نبى: سلوه عن أقوام ذهبوا في الأرض فلم يدر ما صنعوا … القصة بطولها» (٣) . ذكره الثعلبي في تفسير لقمان بغير سند ولا راو. وروى ابن مردويه من طريق على بن عاصم عن داود ابن أبى هند عن عكرمة. لا أعلمه إلا عن ابن عباس. قال «لما نزلت هذه الآية وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا قالت اليهود: أوتينا علما كثيرا. أوتينا التوراة ومن يؤت التوراة فقد أوتى خيرا كثيرا. فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout