الْمُؤْمِنُ التَقَى فَقَدْ اخْتَارَ مُرَادُهُ وَهُوَ غِنَى الْآخِرَةَ، فَمَا يُبَالَى: أَوْتَى حَظًّا مِنْ الدُّنْيَا أَوْ لَمْ يُؤْتَ فَإِنْ أَوْتَى فِيهَا وَإِلَّا فَرُبَّمَا كَانَ الْفَقْرُ خَيْرًا لَهُ وَأَعْوَنَ عَلَى مُرَادِهِ. وَقَوْلُهُ لَِمَنْ نَُرِيدُ بَدَل مَنْ لَهُ، وَهُوَ بَدَلُ الْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ، لِأَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إِلَى «َمَنْ»ٍ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْكَثْرَةِ. وَقُرِئَ:
يَشَاء. وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَاَ فَرْقَ إِذًَا بَيْنَ الْقِرَاءَتَيْنِ فِي الْمَعْنَى وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ، عَلَى أَنَّّ لِلْعَبْدِ مَا يَشَاءُ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنَّ ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْ الدُّهَمَاءِ «َ١» يُرِيدُ بِهِ اللَّهُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، كَالْمُنَافِقِ، وَالْمُرَائِى، وَالْمُهَاجِرِ لِلدُّنْيَا، وَالْمُجَاهِدِ لِلْغَنِيمَةِ وَالذِّكَرِ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «َفَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةً يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ «٢»» مَدْحُورًا مَطْرُودًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ سَعْيَها حَقُّهَا مِنَ السَّعَى وَكَفَاءِهَا مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ. اُشْتُرِطَ ثَلَاَثَ شَرَائِطَ فِي كَوْنِ السَّعَى مَشْكُورًا: إرَادَةُ الْآخِرَةِ بِأَنْ يَعْقِدَ بِهَا هُمْهُ وَيَتَجَافَى عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالسَّعَى فِيمَا كُلِّفَ مِنْ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ، وَالْإِيمَانِ الصَّحِيحُ الثَّابِتِ. وَعَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّّمِينَ: مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ ثَلَاَثٌ لَمْ يَنْفَعْهُ عَمَلُهُ: إِيمَانٌ ثَابِتٌ، وَنِيَّةٌ صَادِقَةً، وَعَمَلَ مُصِيبً. وَتَلا هَذِهِ الْآيَةَ. وَشَكَرَ اللَّهُ:
الثَّواب عَلى الطَّاعَةِ.
كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)
كُلًّا كل واحِد مِنَ الْفَرِيقِيْنَ، وَالتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنْ الْمُضَافِ إِلَيْهِ نُمِدُّ هم: نَزِيدُهُمْ مِنْ عَطَائِنَا، وَنَجْعَلُ الْآنِفُ مِنْهُ مَدَدًا لِلسَّالِفِ لَا نَقْطَعُهُ، فَنَرْزَقُ الْمُطِيعُ وَالْعَاصِي جَمِيعًا عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ وََمَا كَانََ عَطَاءًُ رَبِّكَ وفضله مَحْظُورًا أَىُّ مَمْنُوعًا، لَاَ يَمْنَعُهُ مَنْ عَاصٍ لِعِصْيَانِهِ
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)
انْظُرْ بعين الاعْتِبَارِ كَيْفَ جَعَلْنَاهُمْ مُتَفَاوِتَيْنِ فِي التَّفَضُّلِ. وَفِي الآخِرَةِ التَّفَاوُتُ أَكْبَرُ، لِأَنَّهَا ثَوَابٌ وَأَعْوَاضٌ وَتَفَضَّلُ، وَكُلُّهَا مُتَفَاوِتَةً. وَرَوَىَ أَنَّ قَوْمًا مِنَ الْأَشْرَافِ فَمِنْ دُونَهُمْ اجْتَمَعُوا بِبَابِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَخَرَجَ الْإِذْنُ لِبِلَاَلٍ وَصُهِيْبٍ، فَشَقَّ عَلَى أَبِى سُفْيَانَ، فَقَالَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو: إِنَّمَا أَُتَيْنَا مِنْ قَبْلِنَا، إِنَّهُمْ دَعُوا وَدُعِينَا يَعْنِى إِلَى الإِسْلَاَمِ، فَأَسْرَعُوا وَأَبْطَأْنَا، وَهَذَا بَابُ عُمَرَ، فَكَيْفَ التَّفَاوُتُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَئِنْ حَسَدْتُمُوهُمْ عَلَى بَابِ عُمْرَ
1 (١) . قوله «لواحد من الدهماء» في الصحاح «دهماء الناس» جماعتهم. (ع) (٢) . متفق عليه من حديث عمر.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout