[سُورَةُ الْإِسْرَاءِ (١٧): الآيات ٩ الى ١٠]
إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠)
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ للحالةِ التِي هِيَ أَقُومُ الْحَالَاتِ وَأَسَدَّهَا. أَوْ لِلْمُلَّةِ. أَوْ لِلطَّرِيقَةِ. وَأَيْنَمَا قَدِّرْتْ لَمْ تَجِدْ مَعَ الْإِثْبَاتِ ذَوْقَ الْبَلَاغَةِ الَّذِي تَجِدُهُ مَعَ الْحَذْفِ، لِمَا فِي إِبْهَامِ الْمَوْصُوفِ بِحَذْفِهِ مِنْ فَخَامَةٍ تَفْقُدُ مَعَ إِيضَاحِهِ. وَقُرِئَ: وَيُبَشِّرُ، بِالتَّخْفِيفِ، فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ ذَكَرَ الْمُؤْمِنِينَ الْأَبْرَارَ وَالْكُفَّارَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْفِسْقَةَ؟ قُلْت: كَانَ النَّاسُ حِينَئِذٍ إِمَّا مُؤْمِنٌ تَقَى، وَإِمَّا مُشْرِكً، وَإِنَّمَا حَدَثَ أَصْحَابُ الْمَنْزِلَةِ «َ١» بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: عَلَامٌ عَطْفٍ وََأََنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ؟ قلت:
على أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا على معْنِى: أَنَّهُ بِشْرٌ الْمُؤْمِنِينَ بِبَشَارَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ: بِثَوَابِهِمْ، وَبِعِقَابِ أَعْدَائِهِمْ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ: وَيُخْبِرُ بِأَنَّ الَّذِينَ لَاَ يُؤْمِنُونَ مُعَذِّبُونَ.
وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١)
أى: ويَدْعُو اللَّهُ عِنْدَ غَضَبِهِ بِالشَّرِّ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهُ، كَمَا يَدْعُوهُ لَهُمْ بِالْخَيْرِ، كَقَوْلِهِ وََلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ. وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا يَتَسَرِّعُ إِلَى طَلَبِ كُلِّ مَا يَقَعُ فِي قَلْبِهِ وَيَخْطُرُ بِبَالِهِ، لَا يَتَأَنَّى فِيهِ تَأْنَّى الْمُتَبَصِّرِ. وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ دَفَعَ إِلَى سَوْدَةِ بِنْتِ زَمْعَةَ أَسِيرًا، فَأَقْبَلَ يَئِنَ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ لَهُ: مَالِكٌ تَئْنُ؟ فَشَكًّا أَلَمْ «َ٢» الْقَدَّ، فَأَرَخْتُ مِنْ كِتَافِهِ، فَلَمَّا نَامَتْ أَخْرَجَ يَدَهُ وَهَرَبَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِهِ فَأَعْلَمُ بِشَأْنِهِ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «َاللَّهُمَّ اقْطَعْ يَدَيهَا»ٌ فَرَفَعَتْ سَوْدَةً يَدَيْهَا تَتَوَقَّعُ الْإِجَابَةَ، وَأَنْ يَقْطَعَ اللَّهُ يَدَيْهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «َإِنِّى سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَعَنَتِي وَدُعَائِي عَلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ مِنْ أَهْلَى رَحْمَةٍ لِأَنَّى بِشْرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضِبُ الْبَشَرَ فَلْتُرَدَّّ سَوْدَةَ يَدَيْهَا «َ٣»» وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِالْإِنْسَانِ الْكَافِرِ، وَأَنَّهُ يَدْعُو بِالْعَذَابِ اسْتِهْزَاءً وَيَسْتَعْجِلُ بِهِ، كَمَا يَدْعُو بِالْخَيْرِ إِذَا مَسَّتْهُ الشَّدّْةُ. وَكَانَ
1 (١) . قوله «وإنما حدث أصحاب المنزلة» يعنى الفسقة. وإثبات الواسطة مذهب المعتزلة دون أهل السنة، فان الفسق لا يزيل الايمان عندهم. (ع) (٢) . قوله «فشكا ألم القد» في الصحاح «القد» بالكسر: سير يقد من جلد غير مدبوغ. (ع) [.....] (٣) . لم أجده من هذه الجهة. وقد أخرجه الواقدي في المغازي من رواية ذكوان عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها بأسير، وقال لها: احتفظي به. قالت: فلهوت مع امرأة فخرج ولم أشعر. فدخل يسأل عنه فقلت والله ما أدرى. فقال: قطع الله يدك، فذكر نحو ما تقدم. ورويناه في الجزء التاسع من حديث المخلص تخريج البقال. قال: حدثنا ابن أبى داود حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن أبى فديك عن ابن أبى ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن ذكوان بهذا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout