فَقَالَ لِي: «َيَا ابْنَ أُمّّ عَبْد. قَل: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، هَكَذَا أَقْرَأَنِيهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ الْقَلَمِ عَنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ»ِ «١» لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ أى تَسَلِّطُ وَوِلَايَةُ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللَّهِ، يَعْنِى:
أَنَّهُمْ لاَ يَقْبَلُونَ مِنْهُ وَلَاَ يُطِيعُونَهُ فِيمَا يُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ اتِّبَاعِ خُطْوَاتِهِ إِِنَّما سُلْطانُهُ على مَنْ يَتَوَلَّاَهُ وَيُطِيعُهُ بِهِ مُشْرِكُونَ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى رَبِّهِمَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الشَّيْطَانِ، عَلَى مَعْنَى:
بِسَبَبِهِ وَغُرُورِهِ وَوَسْوَسَتِه.
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١)
تبدِيل الآية مَكَانَ الآيَةِ: هُوَ النَّسَخُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَنْسَخُ الشَّرَائِعُ بِالشَّرَائِعِ لِأَنَّهَا مُصَالِحٌ، وَمَا كَانَ مَصْلَحَةَ أَمْسِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْسَدَةَ الْيَوْمَ، وَخِلَاَفُهُ مَصْلَحَةً. وَاَللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ، فَيَثْبُتُ مَا يَشَاءُ وَيَنْسَخُ مَا يَشَاءُ بِحُكْمَتِهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وََاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ وَجَدُّوا مَدْخَلًا لِلطَّعْنِ فَطَعَنُوا، وَذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وَبَعْدَهُمْ عَنِ الْعِلْمِ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَسْخِّرُ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَأْمُرُهُمْ الْيَوْمَ بِأَمْرٍ وَيَنْهَاهُمْ عَنْهُ غَدًا، فَيَأْتِيهِمْ بِمَا هُوَ أَهْوَنُ، وَلَقَدْ افْتَرُوا، فَقَدْ كَانَ يَنْسَخُ الْأَشَقُّ بِالْأَهُوَنِ، وَالْأَهْوَنِ بِالْأَشْقِّ، وَالْأَهْوَنِ بِالْأَهُوَنِ، وَالْأَشَقُّ بِالْأَشْقِّ، لِأَنَّّ الْغَرَضَ الْمَصْلَحَةَ، لَا الْهَوَانَ وَالْمَشَقَّةَ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ فِي ذِكْرِ تَبْدِيلِ الْآيَةِ بِالْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ إنَّمَا يُنْسَخُ بِمِثْلِهِ، وَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِهِ مِنْ السَّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ؟
قُلْت: فِيهِ أَنَّ قُرْآنًَا يُنْسَخُ بِمِثْلِهِ وَلَيْسَ فِيهِ نَفَى نَسْخُهُ بِغَيْرِهِ، عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ الْمَكْشُوفَةَ الْمُتَوَاتِرَةِ مِثْلُ الْقُرْآنِ فِي إيجَابِ الْعِلْمِ، فَنَسَخَهُ بِهَا كَنَسْخِهِ بِمِثْلِهِ، وَأَمَّّا الْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ وَالسُّنَّةُ غَيْرُ الْمَقْطُوعِ بِهَا فَلَا يَصِحُّ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِهَا.
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)
في يُنَزِّلُ ونَزَّلَهُ ومَا فِيهِمَا مِنَ التَّنْزِيلِ شَيْئًٌا فَشَيْئًًا عَلَى حَسَبِ الْحَوَادِثِ وَالْمَصَالِحِ: إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ التَّبْدِيلَ مِنْ بَابِ الْمَصَالِحِ كَالتَّنْزِيلِ، وَأَنَّّ تَرْكَ النُّسَخِ بِمَنْزِلَةِ إنْزَالِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي خُرُوجِهِ عَنْ الْحِكْمَةِ. وَرَُوحُ الْقُدُسِ جِبرِيل عَليه السلام، أُضِيفُ إِلَى الْقَدْسِ وَهُوَ الطُّهْرُ، كَمَا يُقَالُ:
حَاتِمُ الْجُودِ وَزَيْدَ الْخَيْرَ، وَالْمُرَادُ الرُّوحُ الْمِقْدِّس، وَحَاتَمَ الْجَوَادِ، وَزَيْدِ الْخَيْرَ. وَالْمِقْدِّسِ: الْمُطَهِّرُ
1 (١) . رواه الثعلبي مسلسلا عن شيخه أبى الفضل محمد بن جعفر الخزاعي إلى ابن مسعود. ورواه الواحدي في الوسيط عن الثعلبي.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout