وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥)
أَنْ أَخْرِجْ بمَعْنِى أَى أَخْرَجَ، لِأَنَّّ الْإِرْسَالَ فِيهِ مَعْنَى الْقَوْلِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: أَرْسَلْنَاهُ وَقُلْنَا لَهُ أَخْرُجُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنَّ النَّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ، وَإِنَّمَا صَلَحَ أَنْ تُوَصَّلَ بِفِعْلِ الْأَمْرِ، لِأَنَّّ الْغَرَضَ وَصَلَهَا بِمَا تَكُونُ مَعَهُ فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ وَهُوَ الْفِعْلُ وَالْأَمْرُ، وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فِي الْفِعْلِيَّةِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ أَنْ تَكُونَ النَّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ: قَوْلُهُمْ أَوْ عَزَّ إِلَيْهِ بِأَنَّ افْعَلَ، فَأَدْخَلُوا عَلَيْهَا حَرْفَ الْجَرِّ.
وَكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ بِأَنْ أَخْرَجَ قَوْمَكَ وََذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ وأَنَذُرُهُمْ بِوَقَائِعِهِ الَّتِي وَقَعَتْ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ: قَوْمٌ نُوحٍ وَعَادَ وَثُمُودٍ. وَمِنْهُ أَيَّامُ الْعَرَبِ لِحُرُوبِهَا وَمَلَاحِمِهَا، كَيَوْمِ ذِى قَارٍ، وَيَوْمَ الْفِجَّارِ، وَيَوْمَ قِضَّةٍ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الظَّاهِرُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: نُعْمَاؤُهُ وَبِلَاَؤُهُ.
فَإِهْلَاَكُ الْقُرُونِ لِِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ يُصْبِرُ عَلَى بَلاَءِ اللَّهِ وَيُشْكِرُ نُعْمَاءَهُ، فَإِذَا سَمِعَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ الْبَلَاءِ عَلَى الْأُمَمِّ، أَوْ أَفَاضَ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّعَمِ، تَنَبَّهُ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ وَاعْتُبَرَ.
وَقِيل: أَرَادَ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ، لِأَنَّّ الشُّكْرَ وَالصَّبْرَ مِنْ سَجَايَاهُمْ، تَنْبِيهًٌا عَلَيْهِم.
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)
إِذْ أَنْجاكُمْ ظرف للنِّعْمَةِ بِمَعْنَى الإِنْعَامِ، أَى إنْعَامُهُ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ. فَإِنْ قُلْت: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ بِعَلَيْكُمْ؟ قُلْت: لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ صِلَةً لِلنِّعْمَةِ بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ، أَوْ غَيْرِ صِلَةٍ إِذَا أَرَدْتْ بِالنِّعْمَةِ الْعَطِيَّةَ، فَإِذَا كَانَ صِلَةً لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ غَيْرَ صِلَةٍ بِمَعْنَى اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ مُسْتَقِرِّّةً عَلَيْكُمْ عَمِلَ فِيهِ، وَيَتَبَيَّنُ «َ١» الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ أَنَّكَ إِذَا قُلْت: نِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ جَعَلْتَهُ صِلَةً لَمْ يَكُنْ كَلَامًًا حَتَّى تَقُولَ فَائِضَةٌ أَوْ نَحْوَهَا، وَإِلَّا كَانَ كَلَامًا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ «َإِذْ»ٌ بَدَلًا مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ، أَى: اذْكُرُوا وَقْتَ إِنْجَائِكُمْ، وَهُوَ مِنْ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ. فَإِنْ قُلْت: فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ يُذََبِّحُونَ وَفِي الأَعْرَافِ يُقَتِّلُونَ وهاهُنا وَيُذَبِّحُونَ مع الْوَاو، فَمَا الْفَرْقُ؟ قُلْت: الْفَرْقُ أَنَّّ التَّذْبِيحَ حَيْثُ طَرَحَ الْوَاوُ جَعَلَ تَفْسِيرًٌا لِلْعَذَابِ وَبَيَانًِا لَهُ، وَحَيْثُ أَثْبَتَ جَعْلَ التَّذْبِيحَ لِأَنَّهُ أَوْ فِي عَلَى
1 (١) . قوله «ويتبين» لعله: وتبيين. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout