يَجْحُدُونَ كَوْنَ مَا أُنْزِلَ عَلَيْك آيَاتٍ وَيُعَانِدُونَ، فَلَا يُهْمَنُكَ ذَلِكَ، إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ، فَمَا عَلَيْكَ إلَّا أَنْ تَنْذُرَ لَا أَنْ تَثْبُتَ الْإِيمَانُ فِي صُدُورِهِمْ، وَلَسْت بِقَادِرٍ عَلَيْهِ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ قَادِرٌ عَلَى هِدَايَتِهِمْ بِالْإِلْجَاءِ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى. وَلَقَدْ دَلَّ بِمَا أَرْدَفَهُ مِنْ ذِكْرِ آيَاتٍ عِلْمِهِ وَتَقْدِيرُهُ الْأَشْيَاءُ عَلَى قَضَاءِ حِكْمَتِهِ أَنَّ إعْطَاءَهُ كُلُّ مُنْذِرٍ آيَاتٍ خِلَافِ آيَاتٍ غَيْرِهِ: أَمْرٌ مُدَبَّرٌ بِالْعِلْمِ النَّافِذِ مُقَدَّّرٌ بِالْحِكْمَةِ الرُّبَانِيَّةِ، وَلَوْ عَلِمَ فِي إجَابَتِهِمْ إلَى مُقْتَرَحِهِمْ خَيْرًٌا وَمَصْلَحَةً، لِأَجَابِهِمْ إلَيْهِ. وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، فَقَدْ دَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مِنْ هَذِهِ قُدْرَتُهُ وَهَذَا عِلْمُهُ، هُوَ الْقَادِرُ وَحْدَهُ عَلَى هِدَايَتِهِمْ، الْعَالِمِ بِأَىِّ طَرِيقٍ يَهْدِيهِمْ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ لِغَيْرِهِ.
[سورة الرَّعد (١٣): الآيات ٨ الى ٩]
اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩)
اللَّهُ يَعْلَمُ يَحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًُا مُسْتَأْنِفًَا، وَأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: هُوَ اللَّهُ، تَفْسِيرًٌا لِهَادٍ عَلَى الْوَجْهِ الْأَخِيرِ، ثُمَّ اُبْتُدِئَ فَقِيلَ يََعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى «ومَا» فِي مَا تَحْمِلُ، وَما تَغِيضُ، وََما تَزْدادُ. إِمَّا مَوْصُولَةً، وَإِمَّا مَصْدَرِيَّةً. فَإِنْ كَانَتْ مَوْصُولَةً، فَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ الْوَلَدِ عَلَى أَنَّ حَالَ هُوَ. مِنْ ذُكُورَةٍ وَأُنُوثَةٍ، وَتَمَامٌ وَخَدَاجٍ «١»، وَحَسَنٌ وَقَبْحٌ، وَطُولٌ وَقَصْرٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْوَالِ الْحَاضِرَةِ وَالْمُتَرَقِّبَةِ، وَيُعْلَمُ مَا تَغَيِّضَهُ الْأَرْحَامُ: أَى تَنْقُصُهُ. يُقَالُ:
غَاضِ الْمَاءَ وَغَضْتُهُ أَنَا. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وََغَِيضَ الْمَاءُ وَمَا تَزْدَادُهُ: أَىْ تَأْخُذُهُ زَائِدًٌا، تَقُولُ: أَخَذْتُ مِنْهُ حَقِّي، وَازْدَدْتُ مِنْهُ كَذَا. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى وََازْدَادُوا تِسْعًا وَيُقَال: زِدْتُهُ فَزَادَ بِنَفْسِهِ وَازْدَادَ، وَمِمَّا تَنْقِصُهُ الرَّحِمُ وَتَزْدَادُهُ عَدَدَ الْوَلَدِ، فَإِنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى وَاحِدٍ، وَقَدْ تَشْتَمِلُ عَلَى اثْنَيْنِ وَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٌ. وَيُرْوَى أَنَّ شَرِيكًا كَانَ رَابِعٌ أَرْبَعَةً فِي بَطْنِ أُمِّهِ. وَمِنْهُ جَسَدُ الْوَلَدِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ تَامًّا وَمُخْدَّجًا. وَمِنْهُ مُدَّةٌ وِلَادَتُهُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَأَزْيَدَ عَلَيْهَا إِلَى سَنَتَيْنِ عِنْدَ أَبِى حَنِيفَةَ، وَإِلَى أَرْبَعٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَإِلَى خَمْسٍ عِنْدَ مَالِكٍ. وَقِيلَ: إِنَّّ الضَّحَّاكُ وَلَدٌ لِسَنَتَيْنِ، وَهَرَمُ بْنُ حَيَّانَ بَقِيَ فِي بَطْنِ أُمَّّهُ أَرْبَعُ سِنِينَ، وَلِذَلِكَ سَمَّى هَرْمًا. وَمِنْهُ الدَّمَ، فَإِنَّهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ. وَإِنْ كَانَتْ مَصْدَرِيَّةً، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَعْلَمُ حَمْلَ كُلِّ أُنْثَى، وَيَعْلَمُ غَيْضُ الْأَرْحَامِ وَازْدِيَادِهَا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْ أَوْقَاتِهِ وَأَحْوَالِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ غُيُوضُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَزِيَادَتِهِ، فَأَسْنَدَ الْفِعْلُ إِلَى الْأَرْحَامِ وَهُوَ لِمَا فِيهَا، عَلَى أَنَّّ الْفِعْلَيْنِ غَيْرُ مُتَعَدِّّيَيْنِ، وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُ الْحَسَنَ: الْغَيْضُوضَةِ أَنْ تَضَعَ لِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَالِازْدِيَادِ أَنْ تُزِيدَ
1 (١) . قوله و«خداج» في الصحاح: خدجت الناقة خداجا: ألقت ولدها قبل تمام الأيام، فهي خادج، وهو خديج، أو أخدجت: إذا جاءت به ناقص الخلق، فهو مخدج، وهو مخدج اه. (ع)
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout