أَى مَا كَانَ يَأْخُذُهُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِذْنِهُ فِيهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ فِي الْعِلْمِ كَمَا رَفَعْنَا دَرَجَةً يُوسُفُ فِيهِ. وَقُرِئَ: يَرْفَعُ بِالْيَاءِ. وَدَرَجَاتٍ بِالتَّنْوِينِ وََفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ فَوْقهُ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنْهُ فِي عِلْمِهِ، أَوْ فَوْقَ الْعُلَمَاءِ كُلِّهُمْ عَلِيمٌ هُمْ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ، وَهُوَ اللَّهُ عَزَّ وَعَلَا. فَإِنْ قُلْتَ:
مَا أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَسَنًَا، فَمَنْ أَىِّ وَجْهَ حُسَنِ هَذَا الْكَيْدِ؟ وَمَا هُوَ إِلَّاَّ بُهْتَانِ، وَتَسْرِيقٌ لِمَنْ لَمْ يَسْرِقْ، وَتَكْذِيبٌ لِمَنْ لَمْ يُكْذِّبْ، وَهُوَ قَوْلُهُ إِِنَّكُمْ لَسارِقُونَ، فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ؟ قُلْت: هُوَ فِي صُورَةِ الْبُهَتَانِ وَلَيْسَ بِبُهْتَانِ فِي الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّّ قَوْلَهُ إِِنَّكُمْ لَسارِقُونَ تَوْرِيَّةُ عَمَّا جَرَى مَجْرَى السَّرِقَةِ مِنْ فِعْلِهِمْ بِيُوسُفَ. وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنَ الْمُؤَذِّنِ لَاَ مَنْ يُوسُفَ، وَقَوْلُهُ إِِنْ كُنْتُمْ كَاذَِبَِينَ فَرْضٌ لِانْتِفَاءِ بَرَاءَتِهِمْ. وَفَرْضِ التَّكْذِيبِ لَا يَكُونُ تَكْذِيبًٌا، عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَرَّّحَ لَهُمْ بِالتَّكْذِيبِ كَمَا صَرَّّح لَهُمْ بِالتَّسْرِيقِ. لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبَيْنِ فِي قَوْلِهِمْ: وََتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ هذا وحُكم هَذَا الْكَيْدُ حُكْمُ الْحِيْلِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَصَالِحٍ وَمَنَافِعُ دِينِيَّةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى لِأَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا ليَتَخَلِصُ مِنْ جِلْدِهَا وَلَاَ يَحْنَثُ، وَكَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: هِيَ أُخْتَى، لِتُسَلَّمَ مِنْ يَدِ الْكَافِرِ. وَمَا الشَّرَائِعُ كُلُّهَا إِلَّاَّ مَصَالِحٌ وَطُرُقَ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْمَفَاسِدِ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْحِيلَةِ الَّتِي لَقِنَهَا يُوسُفُ مَصَالِحَ عَظِيمَةً فَجَعَلَهَا سَلَّمًَا وَذَرِيعَةً إِلَيْهَا، فَكَانَتْ حَسَنَةً جَمِيلَةً وَانْزَاحَتْ عَنْهَا وُجُوهُ الْقُبْحِ لِمَا ذَكَرْنَا.
قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧)
أَخٌ لَهُ أرادوا يُوسُف. رَوِى أَنَّهُمْ لَمَّا اسْتَخْرَجُوا الصَّاعَ مِنْ رَحْلٍ بِنْيَامِينِ نَكَسَ إِخْوَتَهُ رُؤُوسَهُمْ حَيَاءً، وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا لَهُ: مَا الَّذِي صَنَعْتُ؟ فَضَحْتْنَا وَسُوَّدَتْ وُجُوهُنَا، يَا بَنَى رَاحِيلَ مَا يَزَالُ لَنَا مِنْكُمْ بَلَاءً، مَتَى أَخَذْتُ هَذَا الصَّاعَ؟ فَقَالَ: بَنُو رَاحِيلَ الَّذِينَ لَاَ يَزَالُ مِنْكُمْ عَلَيْهِمْ الْبَلاءَ، ذَهَبْتُمْ بِأَخِى فَأَهْلَكْتُمُوهُ، وَوَضَعَ هَذَا الصَّوَاعَ فِي رَحْلَي الَّذِي وَضَعَ الْبِضَاعَةَ فِي رِحَالِكُمَ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَا أَضَافُوا إِلَى يُوسُفَ مِنَ السَّرِقَةِ، فَقِيلَ: كَانَ أَخَذَ فِي صِبَاهُ صَنَّمًا لَجَدِّّهِ أَبِى أُمَّّهُ فَكَسْرِهُ وَأَلْقَاهُ بَيْنَ الْجِيفِ فِي الطَّرِيقِ. وَقِيلَ: دَخَلَ كَنِيسَةً فَأَخَذَ تِمْثَالًا صَغِيرًٌا مِنْ ذَهَبٍ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ فَدَفَنَهُ. وَقِيلَ: كَانَتْ فِي الْمَنْزِلِ عِنَاقٌ أَوْ دَجَاجَةً فَأَعْطَاهَا السَّائِلُ. وَقِيلَ كَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْطِقَةً يَتَوَارِثُهَا أَكَابِرَ وَلَدِهِ، فَوَرِثَهَا إِسْحَاقُ ثُمَّ وَقَعَتْ إِلَى ابْنَتِهِ وَكَانَتْ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ، فَحَضَنَتْ يُوسُفَ- وَهِيَ عَمَّتُهُ- بَعْدَ وَفَاةٍ أُمَّّهُ وَكَانَتْ لَاَ تَصْبَرُ عَنْهُ، فَلَمَّا شَبَّّ أَرَادَ يَعْقُوبُ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْهَا، فَعَمِدَتْ إِلَى الْمِنْطَقَةِ فَحَزْمَتُهَا عَلَى يُوسُفَ تَحْتَ ثِيَابِهِ وَقَالَتْ: فَقَدْتْ مِنْطِقَةَ إِسْحَاقِ،
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout