هُوَ فَوْقَ ذَاكَ، تُرِيدُ هُوَ أَبْلَغُ وَأَعْرَقَ فِيمَا وَصَفَ بِهِ مِنْ السَّفَالَةِ وَالنَّذَالَةِ. وَالثَّانِي: فَمَا زَادَ عَلَيْهَا فِي الْحَجْمِ، كَأَنَّهُ قَصَدَ بِذَلِكَ رَدَّّ مَا اسْتَنْكَرُوهُ مِنْ ضَرْبِ الْمِثْلِ بِالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ، لِأَنَّهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْبَعُوضَةِ. كَمَا تَقُولُ لِصَاحِبِك- وَقَدْ ذَمَّّ مِنْ عَرَفَتِهِ يَشَحُّ بِأَدْنَى شَيْءٍ فَقَالَ فُلَانٌ بِخَلٍّ بِالدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ-: هُوَ لَا يُبَالَى أَنْ يَبْخُلَ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فَمَا فَوْقَهُ، تُرِيدُ بِمَا فَوْقَهُ مَا بَخَلَ فِيهِ وَهُوَ الدِّرْهَمُ وَالدِّرْهَمَانِ، كَأَنَّكَ قُلْت: فَضْلًا عَنِ الدِّرْهَمِ وَالدِّرْهَمَيْنِ. وَنَحْوِهِ فِي الِاحْتِمَالَيْنِ مَا سَمِعْنَاهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهِيَ بِمِنًى وَهُمْ يَضْحَكُونَ. فَقَالَتْ: مَا يَضْحِّكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلَانٌ خَرّّ عَلَى طَنْبٍ فُسْطَاطٍ فَكَادَتْ عُنُقَهُ أَوْ عَيْنَهُ أَنْ تَذْهَبَ. فَقَالَتْ: لَا تَضْحِكُوا. إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللََّّه صلى الله عَلَيه وَسَلّمَ قَالَ «َمَّا مِنْ مُسْلِمٍ يَشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَتَبْتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتٌ بِهَا عَنْهُ خَطِيئَةُ»ٌ «١» يَحْتَمِلُ فَمَا عَدَا الشَّوْكَةَ وَتَجَاوَزُهَا فِي الْقِلَّةِ وَهِيَ نَحْوُ نُخْبَةِ النّمْلَةِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
«مَا أَصَابَ الْمُؤْمِنَ مِنْ مَكْرُوهٍ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَاهُ حَتَّى نُخْبَةَ النّمْلَةِ «َ٢»» وَهِيَ عِضْتُهَا. وَيَحْتَمِلُ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ الشَّوْكَةِ وَأَوْجَعَ كَالْخُرُورِ عَلَى طَنَبِ الْفُسْطَاطِ. فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ يَضْرِبُ الْمِثْلَ بِمَا دُونَ الْبَعُوضَةِ وَهِيَ النِّهَايَةُ فِي الصِّغَرِ؟ قُلْت: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ جُنَاحَ الْبَعُوضَةِ أَقَلُّ مِنْهَا وَأَصْغَرَ بِدَرَجَاتٍ، وَقَدْ ضَرَبَهُ رَسُولُ اللََّّه صلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَثَلًاً لِلدُّنْيَا «٣»، وَفِي خَلْقِ اللَّّه حَيَوَانُ أَصْغَرَ مِنْهَا وَمِنْ جَنَاحِهَا، رُبَّمَا رَأَيْت فِي تَضَاعِيفِ الْكُتُبِ الْعَتِيقَةِ دُوَيْبَةً لَا يَكَادُ يُجْلِيهَا لِلْبَصَرِ الْحَادّّ إِلَّا تَحَرُّكُهَا، فَإِذَا سَكَنَتْ فَالسُّكُونُ يُوَارِيهَا، ثُمَّ إِذَا لُوَّحَتْ لَهَا بِيَدِك حَادَتْ عَنْهَا وَتَجَنَّبَتْ مُضَرَّتُهَا، فَسُبْحَانَ مَنْ يُدْرِكُ صُورَةَ تِلْكَ وَأَعْضَاءَهَا الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةِ وَتَفَاصِيلُ خِلْقَتِهَا وَيُبْصِرُ بَصَرُهَا وَيَطَّلِعُ عَلَى ضَمِيرِهَا، وَلَعَلَّ فِي خَلْقِهِ مَا هُوَ أَصْغَرُ مِنْهَا وَأَصْغَرَ (سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ) وأَنْشَدْتُ لِبَعْضِهِمْ:
يَا مَنْ يَرَى مَدَّ البَعُوضِ جَنَاحَها … في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الألْيَلِ
ويَرَى عُرُوقَ نِيَاطِها في نَحْرِها … والمُخَّ فِي تِلْكَ العِظَامِ النّحَّلِ
اغْفِرْ لِعبْدٍ تابَ مِنْ فَرَطاتِهِ … ما كَانََ مَِنْهُ فِي الزَِّّمانِ الأَوَّلِ «٤»
1 (١) . أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة. (٢) . لم أجده. وأصل الحديث- دون ما في آخره- مروى بطرق كثيرة. (٣) . كأنه يشير إلى حديث سهل بن سعد مرفوعا «لو كانت الدنيا تعدل عند اللَّه جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء» . أخرجه الترمذي. (٤) . للزمخشري، وإن كانت عادته في الكتاب أن لا ينسب شعره لنفسه. يقول: يا اللَّه يا مبصر الخفيات حتى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل. والبهيم: المظلم، لانبهام الأشياء فيه. والأليل: أفعل تفضيل من الليل- وإن كان جامدًا- للمبالغة في الظلمة. والنياط: عرق غليظ منوط بالقلب تتصل به عروق رقيقة. والنحر: أسفل العنق والمخ: ما في وسط العظام. والنحل: جمع ناحل، أى دقيق. والفرطات: ذنوبه التي فرطت منه. و«ما كان» مفعول «أغفر» . والزمان الأول: زمن الشباب.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout