الْأَصْدِقَاءَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ وَتَنْظَّفُ مِنْ دَرَنِ السِّجْنَ، وَلُبِسَ ثِيَابًا جَدَّدًَا»ٍ
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى الْمِلْكِ قَالَ:
اللهمّ إِنِّى أَسْأَلُكَ بِخَيْرِكَ مِنْ خَيْرِهِ، وَأَعُوذُ بَعِزْتُكَ وَقُدَّرْتُكَ مِنْ شَرِّهِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَدَعَا لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا اللِّسَانُ؟ قَالَ: لِسَانُ آبَائِي، وَكَانَ الْمِلْكُ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسَانًِا، فَكَلَّمَهُ بِهَا فَأَجَابَهُ بِجَمِيعِهَا، فَتُعَجَّبُ مِنْهُ وَقَالَ: أَيُّهَا الصِّدِّّيقُ، إِنِّى أَحَبُّ أَنْ أَسْمَعَ رُؤْيَاىَ مِنْك. فَقَالَ:
رَأَيْتُ بَقَرَاتٍ فَوَصَفَ لَوْنُهُنَّّ وَأَحْوَالِهُنَّّ وَمَكَانُ خُرُوجِهِنَّّ، وَوَصْفَ السَّنَابِلِ وَمَا كَانَ مِنْهَا عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي رَآهَا الْمِلْكُ لَا يَخْرُمُ مِنْهَا حَرْفًا، وَقَالَ لَهُ: مِنْ حَقِّكِ أَنْ تُجْمَعَ الطَّعَامَ فِي الْأَهْرَاءِ «٢»، فَيَأْتِيكَ الْخَلْقَ مِنَ النَّوَاحِي يَمْتَارُونَ مِنْكً، وَيَجْتَمِعُ لَكَ مِنْ الْكُنُوزِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ.
قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)
اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ ولنِى خَزَائِنُ أَرْضُكَ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ أَمِينَ أَحْفَظُ مَا تَسْتَحْفِظُنِيهِ، عَالِمٌ بِوُجُوهِ التَّصَرُّفِ، وَصْفًا لِنَفْسِهِ بِالْأَمَانَةِ وَالْكِفَايَةِ اللَّتَيْنِ هُمَا طَلَبَةُ الْمُلُوكِ مِمَّنْ يُولُّونَهُ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيَتَوَصَّلَ إِلَى إمْضَاءِ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِقَامَةِ الْحَقِّ وَبَسَطِ الْعَدْلِ، وَالتَّمَكُّنِ مِمَّا لِأَجْلِهِ تَبْعَثُ الْأَنْبِيَاءَ إِلَى الْعِبَادِ، وَلِعِلْمِهِ أَنَّّ أَحَدًا غَيْرَهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، فَطَلَبَ التَّوْلِيَةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ لَا لِحِبِّ الْمِلْكِ وَالدُّنْيَا. وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «َرَحِمَ اللَّهُ أَخَى يُوسُفَ، لَوْ لَمْ يَقُلْ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ، لِاسْتَعْمَلَهُ مِنْ سَاعَتِهِ، وَلَكِنَّهُ أَخَّرَ ذَلِكَ، سَنَةً «٣» فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ جَازَ أَنْ يَتَوَلَّى عَمَلًا مِنْ يَدِ كَافِرٍ وَيَكُونُ تَبَعًًا لَهُ وَتَحْتَ أَمْرِهِ وَطَاعَتِهُ؟
قُلْت: رَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ: وَعَنْ قَتَادَةَ. هُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِنْسَانَ عَمَلًا مِنْ يَدِ سُلْطَانٍ جَائِرٌ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَوَلَّوْنَ الْقَضَاءَ مِنْ جِهَةِ الْبُغَاةِ وَيَرَوْنَهُ. وَإِذَا عَلِمَ النَّبِيُّ أَوْ الْعَالِمُ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْحُكْمِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ إِلَّا بِتَمْكِينِ الْمِلْكِ الْكَافِرِ أَوْ الْفَاسِقِ. فَلَهُ أَنْ يَسْتَظْهِرَ بِهِ. وَقِيلَ: كَانَ الْمِلْكُ يَصْدِرُ عَنْ رَأْيِهِ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ مَا رَأَى، فَكَانَ فِي حُكْمِ التَّابِعِ لَهُ وَالْمُطِيعِ.
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)
1 (١) . قوله «ولبس ثيابا جددا» في الصحاح: جديد وجدد، كسرير وسرر. (ع) (٢) . قوله «أن تجمع الطعام في الأهراء» كذا عبارة النسفي أيضا ولكنه ليس في الصحاح بل الذي فيه هرأه البرد بهرأه هرأ أى أشتد عليه حتى كاد بقتله وهرئ المال وهرئ القوم فهم مهرؤون اه فأصل الاهراء مواضع يشتد فيها البرد. (ع) (٣) . أخرجه الثعلبي عن ابن عباس من رواية إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عنه، وهذا إسناد ساقط
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout