لِمَحَلِّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى الْمَعْنَىّ بِقَوْلِهِنَّّ: عَشَقْت عَبْدَهَا الْكَنْعَانِىُّ. تَقُولُ: هُوَ ذَلِكَ الْعَبْدُ الْكَنْعَانِىُّ الَّذِي صُوَّّرَتَنِ فِي أَنْفُسِكْنَّ، ثُمَّ لَمَتَنَنِي فِيهِ. تَعْنًى: أَنْكَنَ لَمْ تَصُوَّّرَنَهُ بِحَقِّ صُورَتِهِ، وَلَوْ صُوَّّرَتَنَهُ بِمَا عَايَنْتُنِ لَعُذْرْتَنْنِى فِي الِافْتِنَانِ بِهِ. الِاسْتِعْصَامُ: بِنَاءً مُبَالَغَةٍ يَدُلُّ عَلَى الِامْتِنَاعِ الْبَلِيغِ وَالتَّحَفُّظُ الشَّدِيدَ، كَأَنَّهُ فِي عِصْمَةٍ وَهُوَ يَجْتَهِدُ فِي الِاسْتِزَادَةِ مِنْهَا. وَنَحْوُهُ اسْتَمْسَكَ وَاسْتَوْسَعَ الْفَتْقَ وَاسْتَجْمَعَ الرَّأَى وَاسْتَفْحَلَ الْخَطَبَ. وَهَذَا بَيَانٌ لِمَا كَانَ مَنْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَبُرْهَانٌ لَا شَيْءَ أُنُورٌ مِنْهُ، عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا أَضَافَ إلَيْهِ أَهْلُ الْحَشْوِ مِمَّا فَسَّرُوا بِهِ الْهُمَّّ وَالْبُرْهَانِ. فَإِنْ قُلْت: الضَّمِيرُ فِي آمَُرُهُ رَاجِعٌ إلَى الْمَوْصُولِ، أَمْ إلَى يُوسُفَ؟ قُلْت: بَلْ إلَى الْمَوْصُولِ. وَالْمَعْنَى: مَا آمَرَ بِهِ، فَحَذَفَ الْجَارُ كَمَا فِي قَوْلِكَ: أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ، وَيَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ «َمَا»ٌ مَصْدَرِيَّةً، فَيَرْجِعُ إلَى يُوسُفَ. وَمَعْنَاهُ: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَمْرَى إيَّاهُ، أَى مُوجِبَ أَمْرَى وَمُقْتَضَاهُ. قُرِئَ وََلَيَكُونًا بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفُ. وَالتَّخْفِيفُ أَوْلَى، لِأَنَّّ النُّونَ كَتَبَتْ فِي الْمُصْحَفِ أَلْفًَا عَلَى حُكْمِ الْوَقْفِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْخَفِيفَةِ.
[سورة يُوسف (١٢): الآيات ٣٣ الى ٣٤]
قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)
وقرِئ السِّجْنُ بالفتح، على الْمَصْدَرِ. وَقَالَ يََدْعُونَنِي عَلى إِسْنَادِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِنَّّ جَمِيعًا، لِأَنَّهُنَّّ تَنْصَحْنَ لَهُ وَزِيَّّنٌ لَهُ مُطَاوَعَتُهَا، وَقُلْنَ لَهُ: إِيَّاكٌ وَإِلْقَاءُ نَفْسِكَ فِي السِّجْنِ وَالصِّغَارِ، فَالتَّجَأُ إِلَى رَبِّهِ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَالَ: ربِّ نُزُولُ السِّجْنُ أَحَبُّّ إِلَى مِنْ رُكُوبِ الْمَعْصِيَةِ. فَإِنْ قُلْت: نُزُولُ السِّجْنِ مَشَقَّةً عَلَى النَّفْسِ شَدِيدَةً، وَمَا دَعَوْنَهُ إِلَيْهِ لَذَّةً عَظِيمَةً، فَكَيْفَ كَانَتْ الْمَشَقَّةُ أَحَبَّّ إِلَيْهِ مِنَ اللَّذَّةِ؟ قُلْت: كَانَتْ أَحَبُّّ إِلَيْهِ وَآثَرُ عِنْدَهُ نَظَرًٌا فِي حُسْنِ الصَّبْرِ عَلَى احْتِمَالِهَا لِوَجْهِ اللَّهِ، وَفِي قُبْحِ الْمَعْصِيَةِ، وَفِي عَاقِبَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، لَا نَظَرًَا فِي مُشْتَهَى النَّفْسِ وَمَكْرُوهِهَا وََإِِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ فَزع مِنْهُ إِلَى أَلْطَافِ اللَّهِ وَعِصْمَتِهِ، كَعَادَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِيمَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَوَطَنَ عَلَيْهِ نَفْسَهُ مِنْ الصَّبْرِ، لَا أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ الْإِجْبَارُ عَلَى التَّعَفُّفِ وَالْإِلْجَاءِ إِلَيْهِ أََصْبُ إِِلَيْهِنَّ أمل إِليهنّ. وَالصُّبْوَةُ: الْمَيْلُ إِلَى الْهَوَىِّ. وَمِنْهَا: الصَّبَا، لِأَنَّّ النُّفُوسَ تَصْبُو إِلَيْهَا لَطِيبِ نَسِيمِهَا وَرُوحِهَا. وَقُرِئَ: أَصَبُّ إِلَيْهِنَّ، مِنَ الصَّبَّابَةِ مَِنَ الْجاهِلِينَ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ. لِأَنَّّ مَنْ لَاَ جَدْوَى لِعِلْمِهِ فَهُوَ وَمَنْ لَا يَعْلَمُ سَوَاءً. أَوْ مِنْ السُّفَهَاءِ، لِأَنَّّ الْحَكِيمَ لَا يَفْعَلُ الْقَبِيحَ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ الِاسْتِجَابَةَ وَلَمْ يَتَقَدَّّمُ الدُّعَاءِ، لِأَنَّّ قَوْلَهُ وََإِِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout