عَلَى تَقْدِيرِ سُؤَالٍ وَقَعَ جَوَابًًا لَهُ، كَأَنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا كَيْفِ رَأَيْتَهَا سَائِلًا عَنْ حَالِ رُؤْيَتِهَا؟ فَقَالَ رَأََيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ. فَإِنْ قُلْت. فَلَمْ أُجْرِيْتُ مَجْرَى الْعُقَلَاءِ فِي رَأَيْتِهِمْ لِي سَاجِدِيْنِ؟ قُلْت: لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَفَهَا بِمَا هُوَ خَاصٌّ بِالْعُقَلَاءِ وَهُوَ السُّجُودُ. أَجْرَى عَلَيْهَا حُكْمُهُمْ، كَأَنَّهَا عَاقِلَةٌ، وَهَذَا كَثِيرٌ شَائِعٌ فِي كَلَامِهِمْ، أَنْ يُلَابِسَ الشَّيْءَ الشَّيْءَ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَيُعْطَى حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِهِ إِظْهَارًًا لِأَثَرِ الْمُلَابَسَةِ وَالْمُقَارَبَةِ.
[سورة يُوسف (١٢): الآيات ٥ الى ٦]
قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)
عرف يَعقُوبُ عَليه السلامُ دَلاَلَةُ الرُّؤْيَا عَلَى أَنْ يُوسُفَ يَبْلُغُهُ اللَّهُ مُبْلَغًًا مِنَ الْحِكْمَةِ، وَيَصْطَفِيهِ لِلنُّبُوّةِ، وَيَنْعَمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِ الدَّارَيْنِ، كَمَا فَعَلَ بِآبَائِهِ، فَخَافَ عَلَيْهِ حَسَدُ الْإِخْوَةِ وَبَغَيْهِمَ.
وَالرُّؤْيَا بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ، إِلَّاَّ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَا كَانَ مِنْهَا فِي الْمَنَامِ دُونَ الْيَقَظَةِ، فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِحَرْفَى التَّأْنِيثِ كَمَا قِيلَ: الْقُرْبَةُ وَالْقُرْبَىُّ. وَقُرِئَ: رُوِيَاكَ، بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ وَاوًَا. وَسَمِعَ الْكُسَائِيُّ: رَُيَّاك ورِيَّاك، بالإِدْغَامِ وَضَمُّ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، لِأَنَّّ الْوَاوَ فِي تَقْدِيرِ الْهَمْزَةِ فَلَا يَقْوَى إِدْغَامُهَا كَمَا لَمْ يَقُوِ الْإِدْغَامُ فِي قَوْلِهِمْ «َاتَّزَرَ»َ مِنْ الْإِزَارِ، وَ«َاتَّجَرَ»َ مِنَ الْأَجْرِ فََيَكِيَدُوا مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارٍ «َأْنَ»ٍ وَالْمَعْنَى: إِنَّ قَصَصْتَهَا عَلَيْهِمْ كَادُوك: فَإِنْ قُلْت: هَلَّا قِيلَ: فَيَكيدُوكَ، كَمَا قِيلَ: فَكَيْدُونِي؟ قُلْت: ضَمِنَ مَعْنَى فِعَلٍ يَتَعَدَّى بِاللَّامِ، لِيُفِيدَ مَعْنَى فِعْلِ الْكَيْدِ، مَعَ إفَادَةِ مَعْنَى الْفِعْلِ الْمُضْمِنِ، فَيَكُونُ آكَدُ وَأَبْلَغُ فِي التَّخْوِيفِ، وَذَلِكَ نَحْوُ: فَيَحْتَالُوا لَكَ. أَلَا تَرَى إِلَى تَأْكِيدِهِ بِالْمَصْدَرِ عَدُوٌّ مُبَِينٌ ظَاهِرُ الْعَدَاوَةِ لَمَّا فَعَلَ بِآدَمَ وَحَوَاءً، وَلِقَوْلِهِ لَِأََقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ فهُو يُحْمِلُ عَلَى الْكَيْدِ وَالْمُكْرِ وَكُلُّ شَرّ، لِيُورَّط مَنْ يَحْمِلُهُ، وَلَا يُؤْمِنُ أَنْ يُحْمِلَهُمْ عَلَى مِثْلِهِ وََكََذِلِكَ وَمِثْلُ ذَلِكَ الِاجْتِبَاءُ يَجِْتَبِيكَ رَبُّكَ يَعنِى وَكَمَا اجْتِبَاكٌ لِمِثْلِ هَذِهِ الرُّؤْيَا الْعَظِيمَةِ الدَّالَّةَ عَلَى شَرَفٍ وَعَزٍّ وَكَبْرِيَاءِ شَأْنِ، كَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ لِأُمُورٍ عِظَامٍ.
وَقَوْلُهُ وََيُعَلِّمُكَ كَلام مُبْتَدَأً غَيْرَ دَاخِلٍ فِي حُكْمِ التَّشْبِيهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: وَهُوَ يَعْلَمُكَ وَيُتِمَّّ نِعْمَتُهُ عَلَيْكَ. وَالِاجْتِبَاءُ. الِاصْطِفَاءُ، افْتِعَالٌ مِنْ جَبِيْتِ الشَّيْءِ إِذَا حَصَلَتْهُ لِنَفْسِك، وَجَبِيْتُ الْمَاءِ فِي الْحَوْضِ: جُمُعْتَهُ. وَالْأَحَادِيثُ: الرُّؤْيَا: لِأَنَّّ الرُّؤْيَا إِمّْا حَدِيثَ نَفْسٍ أَوْ مِلْكٍ أَوْ شَيْطَانٍ.
وَتَأْوِيلُهَا. عِبَارَتُهَا وَتَفْسِيرُهَا، وَكَانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْبَرَ النَّاسَ لِلرُّؤْيَا، وَأَصَحُّهُمْ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout