هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ لم يَنْشِئِكُمْ مِنْهَا إِلَّاَّ هُوَ، وَلَمْ يَسْتَعْمِرْكُمْ فِيهَا غَيْرُهُ. وَإِنْشَاؤُهُمْ مِنْهَا خَلْقُ آدَمَ مِنْ التُّرَابِ وََاسِْتَعْمَرَكُمْ فِيها وَأَمْرُكُمْ بِالْعِمَارَةِ، وَالْعِمَارَةُ مُتَنَوِّعَةٌ إِلَى وَاجِبٍ وَنُدِبٍ وَمُبَاحٍ وَمَكْرُوهٌ، وَكَانَ مُلُوكٌ فَارِسٍ قَدْ أَكْثَرُوا مِنْ حَفْرِ الْأَنْهَارِ وَغَرَسِ الْأَشْجَارِ، وَعَمَرُوا الْأَعْمَارَ الطُّوَالَ، مَعَ مَا كَانَ فِيهِمْ مِنْ عُسْفِ الرَّعَايَا، فَسَأَلَ نَبِى مِنْ أَنْبِيَاءِ زَمَانِهِمْ رَبُّهُ عَنْ سَبَبِ تَعْمِيرِهِمْ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ: إِنَّهُمْ عَمِرُوا بِلَادِي فَعَاشَ فِيهَا عَبَّادِي. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِى سُفْيَانَ أَنَّهُ أَخَذَ فِي إحْيَاءِ الْأَرْضِ فِي آخِرِ أَمْرِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: مَا حَمَلْنِي عَلَيْهِ إِلَّاَّ قَوْلَ الْقَائِلِ:
لَيْسَ الفَتَى بِفَتيً لَا يُسْتَضَاءُ بِهِ … وَلَا تَكُونُ لَهُ فِى الأَرْضِ آثَارُ «١»
وقَبل: اسْتَعْمِرْكُمْ مِنَ الْعُمْرِ، نَحْوَ اسْتِبْقَاكُمْ مِنْ الْبَقَاءِ، وَقَدْ جَعَلَ مِنَ الْعُمْرَىِّ. وَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ اسْتَعْمَرَ فِي مَعْنَى أَعْمَرَ، كَقَوْلِكَ اسْتَهْلَكَهُ فِي مَعْنَى أَهْلِكَهُ، وَمَعْنَاهُ: أَعْمَرُكُمْ فِيهَا دِيَارُكُمْ، ثُمَّ هُوَ وَارِثُهَا مِنْكُمْ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَعْمَارِكُمْ. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى جَعْلِكُمْ مَعْمِرِينَ دِيَارَكُمْ فِيهَا، لِأَنَّّ الرَّجُلَ إِذَا وَرَّّثَ دَارِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَكَأَنَّمَا أَعْمَرُهُ إِيَّاهَا، لِأَنَّهُ يَسْكُنُهَا عُمْرُهُ ثُمَّ يَتْرُكُهَا لِغَيْرِهِ قََرِيبٌ دَانِى الرَّحْمَةَ سَهْلَ الْمَطَّلِبُ مُِجِِيبٌ لِمَنْ دَعَاهُ وَسَأَلَهُ فَِينَا فِيمَا بَيْنَنَا مََرْجُوًّا كَانتِ تَلُوحُ فِيكَ مَخَايِلُ الْخَيْرِ وَأَمَارَاتِ الرُّشْدِ فَكُنَّا نَرْجُوكَ لَنَنْتَفِعُ بِكَ، وَتَكُونُ مُشَاوِرًًا فِي الْأُمُورِ وَمُسْتَرْشِدًًا فِي التَّدَابِيرِ، فَلَمَّا نَطَقَتْ بِهَذَا الْقَوْلِ انْقَطَعَ رِجَاؤُنَا عَنْكَ وَعَلِمْنَا أَنْ لَا خَيْرَ فِيكَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَاضِلًا خَيْرًا نَقْدِّمِك عَلَى جَمِيعِنَا. وَقِيلَ: كُنَّا نَرْجُو أَنْ تَدْخُلَ فِي دِينِنَا وَتَوَافَقْنَا عَلَى مَا نَحْنُ عَلَيْهِ يََعْبُدُ آبَاؤُُنا حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةِ مُِرِيبٍ مَنْ أَرَابَهُ إِذَا أَوْقَعَهُ فِي الرِّيبَةِ وَهِيَ قَلْقُ النَّفْسِ وَانْتِفَاءِ الطُّمَأْنِينَةِ بِالْيَقِينِ. أَوْ مِنْ «َأْرَابِ الرَّجُلِ»ِ إِذَا كَانَ ذَا رِيبَةً عَلَى الإِسْنَادِ الْمُجَازَى. قِيلَ إِِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي بحَرَفِ الشَّكِّ وَكَانَ عَلَى
1 (١) . قوله «بفتى» خبر ليس. و«لا يستضاء به» صفته. ويجوز أنه حال من الفتى الأول، شبهه في حسن الرأى وهداية المستشير بسراج منير. ويمكن أن شبهه بكوكب في السماء، ليقابل الأرض بعده. والجامع ما مر. ويجوز أن الجامع أنه يكشف غمة الفقر، كما أن المشية به يكشف ظلمة الليل، وعلى كل حال فالاستضاءة تخييل. روى أنه قيل لمعاوية: لم أكثرت من حفر الأنهار وغرس الأشجار وإحياء القفار؟ فقال: ما حملني عليه إلا هذا البيت، فالآثار هي ما كان يفعله. ويحتمل أنها المكارم الموجبة للثناء بعد الفناء. [.....]
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout