وَالنَّشَاطُ حَتَّى يُجْرَى فِيهَا الْمَاءَ، وَإِلَّا كَانَ الْأَنْسُ الْأَعْظَمُ فَائِتًا، وَالسُّرُورُ الْأَوْفَرُ مَفْقُودًٌا، وَكَانَتْ كَتَمَاثِيلَ لَا أَرْوَاحٍ فِيهَا، وَصُوَرٌ لَا حَيَاةَ لَهَا، لَمَّا جَاءَ اللََّّه تَعَالَى بِذِكْرِ الْجَنَاتِ مَشْفُوعًا بِذِكْرِ الْأَنْهَارِ الْجَارِيَةِ مِنْ تَحْتِهَا مِسْوقَيْنِ عَلَى قَرْنٍ وَاحِدٍ كَالشَّيْئَيْنِ لَا بُدَّ لِأَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ، وَلِمَّا قَدَّّمَهُ عَلَى سَائِرِ نَعْوَتِهَا. وَالنَّهْرِ: الْمَجْرَى الْوَاسِعُ فَوْقَ الْجُدُولِ وَدُونَ الْبَحْرِ. يُقَالُ لِبُرْدَى:
نَهْرِ دِمَشَقٌ، وَلِلنِّيْلِ: نَهْرٌ مِصْرَ. وَاللُّغَةُ الْعَالِيَةُ «َالنَّهْرَ»ُ بِفَتْحِ الْهَاءِ. وَمَدَارِ التَّرْكِيبِ عَلَى السُّعَةِ، وَإِسْنَادِ الْجَرْيِ إلَى الْأَنْهَارِ مِنْ الْإِسْنَادِ الْمُجَازَى كَقَوْلِهِمْ: بَنُو فُلَانٍ يَطَؤُهُمْ الطَّرِيقُ، وَصَيْدَ عَلَيْهِ يَوْمَانِ. فَإِنْ قُلْت: لَمْ نَكَرَتْ الْجَنَاتُ وَعَرَّفَتْ الْأَنْهَارِ. قُلْت: أَمَّا تَنْكِيرُ الْجَنَّاتِ فَقَدْ ذَكَرَ. وَأَمَّا تَعْرِيفُ الْأَنْهَارِ فَأَنْ يُرَادَ الْجِنْسَ، كَمَا تَقُولُ: لِفُلَانٍ بُسْتَانٍ فِيهِ الْمَاءُ الْجَارِي وَالتِّينَ وَالْعِنَبُ وَأَلْوَانِ الْفَوَاكِهِ، تُشِيرُ إلَى الْأَجْنَاسِ الَّتِي فِي عِلْمِ الْمُخَاطَبِ. أَوْ يُرَادُ أَنْهَارَهَا، فَعَوَّضُ التَّعْرِيفِ بِاللَّامِ مِنْ تَعْرِيفِ الْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ: (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) . أَو يَشَارُ بِاللَّامِ إِلَى الْأَنْهَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: (فَِيها أَنْهارٌ مِنْ مَاءٍ غََيْرِ آسِنٍ، وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) - الآية.
وقَوله كُلَّما رُزِقُوا لا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ صِفَةً ثَانِيَةً لِجَنَاتٍ، أَوْ خَبَرٍ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً لِأَنَّهُ لَمَّا قِيلَ إِنَّ لَهُمْ جَنَّاتٌ لَمْ يَخُلْ خَلْدَ السَّامِعِ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَثْمَارُ تِلْكَ الْجَنَّاتِ أَشْبَاهُ ثِمَارَ جَنَّاتِ الدُّنْيَا، أُمْ أَجْنَاسٍ أُخَرَ لَا تُشَابُهُ هَذِهِ الْأَجْنَاسَ؟ فَقِيلَ إِنَّّ ثِمَارَهَا أَشْبَاهُ ثِمَارَ جَنَّاتِ الدُّنْيَا، أَىْ أَجْنَاسِهَا أَجْنَاسَهَا وَإِنْ تَفَاوَتَتْ إِلَى غَايَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّاَّ اللََّّه. فَان قُلْت:
مَا مَوْقِعَ مِنْ ثَمَرَةٍ؟ قُلت: هُوَ كَقَوْلِكَ: كُلَّمَا أَكَلْتُ مِنْ بُسْتَانِكَ مِنَ الرُّمَّانِ شَيْئًا حَمَّدْتُكَ.
فَمَوْقِعَ (مِنْ ثَمَرَةٍ) مُوقع قَوْلك مِنَ الرُّمَّانِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: كُلَّمَا رَزَقُوا مِنَ الْجَنَاتِ مِنْ أَىِّ ثَمَرَةٍ كَانَتْ مِنْ تُفَاحِهَا أَوْ رَمَّانِهَا أَوْ عِنَبِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ رِزْقًا قَالُوا ذَلِكَ. فَمِنْ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ كِلْتَاهُمَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ لِأَنَّّ الرِّزْقَ قَدْ اُبْتُدِئَ مِنَ الْجَنَاتِ، وَالرِّزْقِ مِنَ الْجَنَاتِ قَدْ اُبْتُدِئَ مِنْ ثَمَرَةٍ. وَتَنْزِيلُهُ تَنْزِيلٌ أَنْ تَقُولَ: رَزْقَنِي فُلَانٍ، فَيُقَالُ لَكَ: مِنْ أَيْنَ؟ فَتَقُولُ: مِنْ بُسْتَانِهِ، فَيُقَالُ: مَنْ أَى ثَمَرَةَ رِزْقِكَ مِنْ بُسْتَانِهِ؟ فَتَقُولُ: مِنْ رُمَّانَ. وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ «َرْزَقُوَا»َ جُعَلَ مُطْلَقًا مُبْتَدَأٌ مِنْ ضَمِيرِ الْجَنَاتِ، ثُمَّ جَعَلَ مُقَيَّدًا بِالِابْتِدَاءِ مِنْ ضَمِيرِ الْجَنَاتِ، مُبْتَدَأٌ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالثَّمَرَةِ التِّفَاحَةُ الْوَاحِدَةِ أَوْ الرُّمَانَةِ الْفِذَّةَ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّمَارِ.
وَوَجْهُ آخَرَ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ (مِنْ ثَمَرَةٍ) بَيَانا عَلِى مِنْهَاجِ قَوْلِكَ: رَأَيْتُ مِنْكَ أَسَدًَا. تُرِيدُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout