وَعَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ نَسَبِهِ فَقَالَ: قُرْشَىّ وَالْحَمْدُ لِلَّه. فَقِيلَ لهُ: قَوْلك «َالْحَمْدُ لِلَّه» فِي هَذَا الْمَقَامِ رِيبَةً. أَوْ ادْعُوْا مِنْ دُونِ اللََّّه شُهْدَاءَكُمْ: يَعْنِى أَنَّّ اللَّه شَاهِدُكُمْ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَيْكُمْ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، وَهُوَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْنَاقِ رَوَاحِلِكُمْ. وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ شَاهِدُوكُمْ فَادْعُوا كُلَّ مَنْ يَشْهَدُكُمْ وَاسْتَظْهَرُوا بِهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِلَّاَّ اللََّّه تَعَالَى، لِأَنَّهُ الْقَادِرُ وَحْدَهُ عَلَى أَنْ يَأْتِى بِمِثْلِهِ دُونَ كُلِّ شَاهِدٍ مِنْ شُهَدَائِكُمَ، فَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ) … الآية.
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤)
لما أرشدهُمْ إِلَى الْجِهَةِ الَّتِي مِنْهَا يَتَعَرَّّفُوْنَ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ حَتَّى يَعْثِرُوا عَلَى حَقِيقَتِهِ وَسَرَّهُ وَامْتِيَازِ حَقِّهِ مِنْ بَاطِلِهِ. قَالَ لَهُمْ فَإِذَا لَمْ تُعَارَضُوهُ وَلَمْ يَتَسَهَّلْ لَكُمْ مَا تَبْغُونَ وَبَانَ لَكُمْ أَنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْهُ، فَقَدْ صَرَّحَ الْحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ وَوَجَبَ التَّصْدِيقُ فَآمَنُوا وَخَافُوا الْعَذَابَ الْمُعَدِّّ لِمَنْ كَذَّبَ. وَفِيهِ دَلِيلَانِ عَلَى إثْبَاتِ النُّبُوّةِ: صِحَّةُ كَوْنِ الْمُتَحَدَّى بِهِ مُعْجِزًٌا، وَالْإِخْبَارُ بِأَنَّهُمْ لَنْ يَفْعَلُوا وَهُوَ غَيْبٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّاَّ اللََّّه. فَان قُلْت: انْتِفَاءُ إِتْيَانِهِمْ بِالسُّورَةِ وَاجِبً، فَهَلَّا جَيْءٌ بِ «َإِذَا»ِ الَّذِي لِلْوُجُوبِ دُونَ «َإِنَّ»ِ الَّذِي لِلشَّكِّ. قُلْت: فِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا أَنْ يُسَاقَ الْقَوْلَ مَعَهُمْ عَلَى حَسَبِ حُسْبَانَهِمْ وَطَمَعَهُمْ، وَأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الْمُعَارَضَةِ كَانَ قَبْلَ التَّأَمُّّلِ كَالْمَشْكُوكِ فِيهِ لَدَيْهِمٍ لِاتِّكَالِهِمْ عَلَى فَصَاحَتِهِمْ وَاقْتِدَارِهِمْ عَلَى الْكَلَامِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُتَّهَكُمَ بِهِمْ كَمَا يَقُولُ الْمَوْصُوفُ بِالْقُوَّةِ الْوَاثِقِ مِنْ نَفْسِهِ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَنْ يُقَاوِيهِ: إنْ غَلَبْتُكَ لَمْ أَبْقَ عَلَيْكَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَالِبُهُ وَيَتَيَقَّنُهُ تُهَكُّمًا بِهِ. فَإِنْ قُلْت: لَمْ عَبَّرَ عَنْ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ وَأَى فَائِدَةٍ فِي تَرْكِهِ إلَيْهِ؟ قُلْت: لِأَنَّهُ فَعَلٌ مِنَ الْأَفْعَالِ. تَقُولُ: أَتَيْتُ فُلَانًا، فَيُقَالُ لَكَ: نَعَمْ مَا فَعَلْت. وَالْفَائِدَةُ فِيهِ أَنَّهُ جَارٍ مَجْرَى الْكِنَايَةِ الَّتِي تُعْطِيكَ اخْتِصَارًًا وَوَجَازَةً تَغْنِيكٍ عَنْ طُولِ الْمُكَنَى عَنْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّّ الرَّجُلَ يَقُولُ: ضَرَبْتُ زَيْدًٌا فِي مَوْضِعِ كَذَا عَلَى صِفَةِ كَذَا، وَشَتَمَتِهِ وَنَكَلَتْ بِهِ، وَيُعَدُّ كَيْفِيَّاتٍ وَأَفْعَالًا، فَتَقُولُ: بِئْسَمَا فَعَلْت. وَلَوْ ذَكَرْتَ مَا أَنْبَتُهُ عَنْهُ، لَطَالَ عَلَيْكَ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَعْدِلْ عَنْ لَفْظِ الْإِتْيَانِ إِلَى لَفْظِ الْفِعْلِ، لَاسْتُطِيلَ أَنْ يُقَالَ: فَإِنْ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
وَلَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ. فَإِنْ قُلْت: وََلَنْ تَفْعَلُوا ما مَحَلُّهَا؟ قُلْت: لاَ مَحَلَّ لَهَا لِأَنَّهَا جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةً. فَإِنْ قُلْت: مَا حَقِيقَةُ «َلَنَ»ٍ فِي بَابِ النَّفْيِ؟ قُلْت: «َلاَ»ٌ وَ«َلْنَ»ُ أُخْتَانِ فِي نَفَى الْمُسْتَقْبَلِ، إِلَّاَّ أَنَّ فِي «َلَنَّ»ِ تَوْكِيدًٍا وَتَشْدِيدًا. تَقُولُ لِصَاحِبِكَ: لَاَ أُقِيمَ غَدًَا، فَإِنْ أَنْكَرَ عَلَيْكَ قُلْت:
لنَّ أُقِيمَ غَدًَا كَمَا تَفْعَلُ فِي: أَنَا مُقِيمٌ، وَإِنِّى مُقِيمٌ. وَهِيَ عِنْدَ الْخَلِيلِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout