وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦)
وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ وَمَا يَنْتَظِرُ قَوْمُكَ أَوْ الْأَحْزَابُ فَإِنَّهُمْ كَالْحُضُورِ لِاسْتِحْضَارِهِمْ بِالذِّكَرِ، أَوْ حُضُورِهِمْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى: إِِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً هِي النَّفْخَةُ الأُولَىُّ. مَّا لَها مِنْ فَوَاقٍِ مَنْ تَوَقَّفَ مِقْدَارَ فَوَاقٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْحَلْبَتَيْنِ، أَوْ رُجُوعٍ وَتَرْدَادٍ فَإِنَّهُ فِيهِ يَرْجِعُ اللَّبَنُ إِلَى الضَّرْعِ، وَقَرَأَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيُّ بِالضَّمِّ وَهُمَا لُغَتَانَ.
وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَسْطِنَا مِنَ الْعَذَّابِ الَّذِي تَوَعَّدْنَا بِهِ، أَوِ الْجَنَّةُ الَّتِي تَعِدُّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مِنْ قَطِّهِ إِذَا قَطَعَهُ، وَقِيلَ لِصَحِيفَةِ الْجَائِزَةِ قَطُّ لِأَنَّهَا قِطْعَةٌ مِنْ الْقِرْطَاسِ وَقَدْ فَسَّرَ بِهَا أَيْ: عَجَّلٍ لَنَا صَحِيفَةُ أَعْمَالِنَا لِلنَّظَرِ فِيهَا. قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ اسْتَعْجَلُوا ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً.
اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨)
اصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ وَاذْكُرُّ لَهُمْ قِصَّتُهُ تَعْظِيمًٌا لِلْمَعْصِيَةِ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَإِنَّهُ مَعَ عُلُوِّ شَأْنِهُ وَاخْتِصَاصُهُ بِعَظَائِمِ النِّعَمِ وَالْمُكَرَّمَاتِ لَمَّا أَتَى صَغِيرَةً نَزَلَ عَنْ مَنْزِلَتِهِ وَوَبِخَهُ الْمَلَائِكَةِ بِالتَّمْثِيلِ وَالتَّعْرِيضِ حَتَّى تُفْطِنَ فَاسْتَغْفَرَ رَبُّهُ وَأَنَابَ فَمَا الظَّنُّ بِالْكُفْرَةِ وَأَهْلِ الطُّغْيَانِ، أَوْ تَذَكَّرَ قِصَّتَهُ وَصِنَّ نَفْسَكَ أَنْ تَزِلَّ فَيَلْقَاكُ مَا لَقِيَهُ مِنْ الْمُعَاتَبَةِ عَلَى إِهْمَالِ عِنَانِ نَفْسِهُ أَدْنَى إِهْمَالً. ذََا الْأَيْدِ ذا الْقُوةُ يُقَالُ فُلاَنُ أَيْدُ وَذُو أَيْدٍ وَآدٍ وَأَيَّادَ بِمَعْنًى. إِِنَّهُ أَوَّابٌ رجَاعَ إِلَى مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِ الْأََيَْدِ وَدَلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْقُوَّةُ فِي الدِّينِ، وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًًا وَيُفْطِرُ يَوْمًَا وَيَقُومُ نِصْفُ اللَّيْلِ.
إِِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ قد مَرَّ تَفْسِيرُهُ، وَيُسَبِّحْنَ حال وَضع مَوْضِعٌ مُسَبِّحَاتٍ لِاسْتِحْضَارِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى تَجَدُّدِ التَّسْبِيحِ حَالًا بَعْدَ حَال. بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وَوقْت الإِِشِرَاقِ وَهُوَ حِينَ تَشْرِقُ الشَّمْسُ أَيْ تَضَيَّءُ وَيَصْفُو شُعَاعُهَا وَهُوَ وَقْتُ الضُّحَى، وَأَمَّا شُرُوقُهَا فَطُلُوعُهَا يُقَالُ شَرِقْتُ الشَّمْسُ وَلَمَّا تَشَرَّقَ.
وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى صَلَاَةَ الضُّحَىِّ وَقَالَ «َهَذِهِ صَلَاَةُ الْإِِشِرَاقِ»ِ .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: مَا عَرَفْتُ صَلَاَةُ الضُّحَى إِلَّاَّ بِهَذِهِ الآيَةِ.
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠)
وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً إليه مَنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَإِنَّمَا لَمْ يُرَاعِ الْمُطَابَقَةَ بَيْنَ الْحَالَيْنِ لِأَنَّ الْحَشْرَ جُمْلَةٌ أَدَلَّ عَلَى الْقُدْرَةِ مِنْهُ مُدْرِجًا، وَقُرِئَ «َوَالطِّيرُ مََحِْشُوَرَةً» بِالْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ. كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ
كل وَاحِدُّ مِنَ الْجِبَالِ وَالطَّيْرُ لِأَجْلِ تَسْبِيحِهِ رَجَاعٌ إِلَى التَّسْبِيحِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ فِي التَّسْبِيحِ وَهَذَا عَلَى الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا، أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا وَمَنْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرْجِعٌ لِلَّهِ التَّسْبِيحَ.
وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وقَوِينَاهُ بِالْهَيْبَةِ وَالنُّصْرَةِ وَكَثْرَةُ الْجُنُودِ، وَقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ. قِيلَ: إِنَّ رَجُلًا ادَّعَى بَقَرَةً عَلَى آخَرَ وَعَجَزَ عَنِ الْبَيَانِ، فَأَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ اقْتُلَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ فَقَالَ: صَدَقْتُ إِنِّي قَتَلْتُ أَبَاهُ وَأَخَذْتُ الْبَقَرَةَ فَعَظَمْتُ بِذَلِكَ هَيْبَتَهُ. وََآتََيْنَاهُ الْحِكْمَةَ النُّبُوة أَوْ كَمَالُ الْعِلْمِ وَاِتِّقَانِ الْعَمَلِ. وََفَصْلَ الْخِطابِ وَفَصَّل الْخَصَّامُ بِتَمْيِيزِ الْحَقِّ عَنِ الْبَاطِلِ، أَوْ الْكَلَامِ الْمُخَلَّصِ الَّذِي يُنَبِّهُ الْمُخَاطَبُ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ غَيْرِ التِبَاسِ يُرَاعَى فِيهِ مَظَانَ الْفَصْلِ وَالْوَصْلِ وَالْعَطْفِ وَالِاسْتِئْنَافِ، وَالْإِضْمَارِ وَالْإِظْهَارِ وَالْحَذْفِ وَالتَّكْرَارِ وَنَحْوِهَا، وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِهِ أَمَّا بَعْدُ لِأَنَّهُ يَفْصِلُ الْمَقْصُودَ عَمَّا سَبَقَ مُقَدَّمَةً لَهُ مِنْ الْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ، وَقِيلَ هُوَ الْخِطَابُ الْقَصْدُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ اخْتِصَارُ مُخِلٍّ وَلَا إشْبَاعٍ مَمَلٍّ كَمَا جَاءَ فِي وَصْفِ كَلَامِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «َفَصْلٌ لَا نَزْرَ وَلَا هَذَرَ»َ .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout