فَحَمَلْتُهُمَا عَلَى الْمَعَاصِي وَالشِّرْكِ، ثُمَّ صَعَدَتْ إلَى السَّمَاءِ بِمَا تَعَلَّمَتْ مِنْهُمَا
فَمَحْكِيٌّ عَنْ الْيَهُودِ وَلَعَلَّهُ مِنْ رُمُوزِ الْأَوَائِلِ وَحَلُّهُ لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْبَصَائِرِ. وَقِيلَ: رَجُلَانِ سُمِّيًا مَلَكَيْنِ بِاعْتِبَارِ صَلَاحِهِمَا، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةً «َالْمِلْكِينَ»ِ بِالْكَسْرِ. وَقِيلَ: مَا أَنْزَلَ نَفْيٌ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا كَفَّرَ سُلَيْمَانُ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ. بِِبَابِِلَ ظَرف، أَوْ حَالٍ مِنْ الْمُلْكَيْنِ، أَوْ الضَّمِيرِ فِي أَنْزَلَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ بَلَدٌ مِنْ سَوَادِ الْكُوفَةِ. «َهَارُوتٌ وَمَارُوتُ» عَطْفَ بَيَانٌ لِلْمُلْكَيْنَ، وَمَنَعَ صَرْفِهِمَا لِلْعِلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ، وَلَوْ كَانَا مِنْ الْهَرْتِ وَالْمَرَّتِ بِمَعْنَى الْكَسْرِ لِانْصَرْفَا.
وَمَنْ جَعَلَ مَا نَافِيَةً أَبْدَلَهُمَا مِنْ الشَّيَاطِينِ بَدَلَ الْبَعْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضً. وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلَى هُمَا «َهَارُوتٌ وَمَارُوتُ» . وََمَا يَُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَمَعْنَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ مَا يَعْلَمَانِ أَحَدًٌا حَتَّى يَنْصِحَاهُ وَيَقُولَا لَهُ إِنَّمَا نَحْنُ ابْتِلَاءً مِنْ اللَّهِ، فَمَنْ تَعْلَمَ مِنَّا وَعَمِلَ بِهِ كُفْرً، وَمَنْ تَعَلَّمَ وَتُوَقَّى عَمَلُهُ ثَبَتَ عَلَى الْإِيمَانِ، فَلَا تُكَفُرُ بِاعْتِقَادِ جَوَازِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ تَعْلَمَ السِّحْرَ وَمَا لَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ غَيْرُ مَحْظُورٍ، وَإِنَّمَا الْمَنْعُ مِنْ اتِّبَاعِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ. وَعَلَى الثَّانِي مَا يَعْلَمَانِهِ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ مَفْتُونَانِ فَلَا تَكُنْ مِثْلُنَا.
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما الضَّمِيرُ لَمَّا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ. مَا يُفَِرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ أيُّ مِنَ السَّحْرِ مَا يَكُونُ سَبَبُ تَفْرِيقِهِمَا. وََما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لأنَّهُ وَغَيْرُهُ مِنَ الأَسْبَابِ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ بِالذَّاتِ، بَلْ بِأَمْرِهِ تَعَالَى وَجَعَلَهُ. قُرِئَ «َبْضَارِي»َ عَلَى الْإِضَافَةِ إِلَى أَحَدٍ، وَجَعَلَ الْجَارَ جُزْءٌ مِنْهُ وَالْفَصْلُ بِالظَّرْفِ.
وََيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ لأنَّهُم يَقْصِدُونَ بِهِ الْعَمَلَ، أَوْ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَجُرُّ إِلَى الْعَمَلِ غَالِبًًا وََلاَ يَنْفَعُهُمْ إِذْ مُجَرَّدُ الْعِلْمِ بِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ وَلَا نَافِعَ فِي الدَّارَيْنِ. وَفِيهِ أَنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أَوْلَى وََلَقَدْ عَلِمُوا أي اليَهُود. لَمَنِ اشْتَراهُ أَيُّ اسْتَبْدَلَ مَا تَتَّلُوا الشَّيَاطِينَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ اللَّامَ لَامَ الْإِبْتِدَاءُ عَلِقَتْ عَلِمُوا عَنِ الْعَمَلِ مََا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ نَصِيبٌ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يَحْتَمِلُ الْمَعْنَيِّيْنَ عَلَى مَا مَرَّ. لَوْ كَانَُوا يََعْلَمُونَ يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، أَوْ يَعْلَمُونَ قَبْحَهُ عَلَى التَّعْيِينِ، أَوْ حَقِّيَّةِ مَا يَتْبَعُهُ مِنْ الْعَذَابِ، وَالْمُثْبِتُ لَهُمْ أَوَّلًَا عَلَى التَّوْكِيدِ الْقِسْمِيِّ الْعَقْلُ الْغَرِيزِيُّ أَوْ الْعِلْمُ الْإِجْمَالِيُّ يَقْبَحُ الْفِعْلَ، أَوْ تَرَتُّبَ الْعِقَابَ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ وَقِيلَ: مَعْنَاهُ لَوْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا عُلِمَ فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ.
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِالرُّسُولِ وَالْكِتَابُ. وََاتَِّقَوْا بِتَرْكَ الْمَعَاصِي، كَنَبَذِ كِتَابِ اللَّهِ وَاتِّبَاعِ السِّحْرِ لََمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ جواب لو، وَأَصْلُهُ لِأَثِيبُوا مَثُوبَةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرًٌا مِمَّا شَرُّوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ، فَحَذَفَ الْفِعْلَ وَرَكِبَ الْبَاقِي جُمْلَةَ اسْمِيَّةً لِتَدُلَّ عَلَى ثَبَاتِ الْمُثُوبَةِ وَالْجَزْمِ بِخَيْرِيَّتِهَا، وَحَذْفِ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ إجْلَالًًا لِلْمُفَضِّلِ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ، وَتَنْكِيرُ الْمُثُوبَةِ لِأَنَّ الْمَعْنَى لِشَيْءٍ مِنْ الثَّوَابِ خَيْرٌ، وَقِيلَ: لَوْ لِلتَّمْنِّي، وَ«َلََّمَِثَُوَبََةٌ» كَلَاَمٌ مُبْتَدَأً.
وَقُرِئَ «َلَمَثُوبَةٌ» كَمَشُورَةً، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْجَزَاءُ ثَوَابًًا وَمُثُوبَةً لِأَنَّ الْمُحْسِنَ يَثُوبُ إِلَيْهِ لََوْ كَانَُوا يََعْلَمُونَ أَنَّ ثَوَابَ اللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا هُمْ فِيهِ، وَقَدْ عَلِمُوا لَكِنَّهُ جَهَّلَهُم لتركَ التَّدَبُّرِ، أَوِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا الرَّعِيُّ حِفْظُ الْغَيْرِ لِمَصْلَحَتِهِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَاعِنَا أَيْ رَاقِبْنَا وَتَأَنَّ بِنَا فِيمَا تَلْقَّنْنَا حَتَّى نَفْهَمَهُ، وَسَمِعَ الْيَهُودَ فَافْتَرَصُوهُ وَخَاطَبُوهُ بِهِ مُرِيدِيْنَ نِسْبَتُهُ إِلَى الرَّعْنِ، أَوْ سَبَّهِ بِالْكَلِمَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ الَّتِي كَانُوا يَتَسَابُونَ بِهَا وَهِيَ رَاعِينًا، فَنَهْيُ الْمُؤْمِنُونَ عَنْهَا وَأَمِرُوا بِمَا يُفِيدُ تِلْكَ الْفَائِدَةَ وَلَا يَقْبَلُ التَّلْبِيسُ، وَهُوَ انْظُرْنَا بِمَعْنَى اُنْظُرْ إِلَيْنَا. أَوْ انْتَظَرْنَا مِنْ نَظَرِهِ إِذَا انْتَظَرَهُ.
وَقُرِئَ «َأَنْظَرْنَا»ٌ مِنَ الْإِنْظَارِ أَيْ أَمْهَلْنَا لِنَحْفَظٍ. وَقُرِئَ «ِرَاعُونَا»َ عَلَى لَفْظِ الْجَمْعِ لِلتَّوْقِيرِ، وَرَاعِنَا بِالتَّنْوِينِ أَيْ قَوْلًِا ذَا رَعْنِ نِسْبَةٍ إِلَى الرِّعْنِ وَهُوَ الْهَوْجُ، لَمَّا شَابَهُ قَوْلُهُمْ رَاعِينًا وَتَسَبَّبُ لِلسَّبِّ. وََاسْمَعُوا وَأَحْسَنَوَا
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout