لَا يَرْغَبُ فِي نِكَاحِ الصَّوَالِحِ وَالْمُسَافَحَةِ لَا يَرْغَبُ فِيهَا الصُّلْحَاءُ، فَإِنَّ الْمُشَاكَلَةَ عِلَّةٌ لِلْأَلْفَةِ وَالتَّضَامُّ، وَالْمُخَالَفَةِ سَبَبٌ لِلنُّفْرَةِ وَالِافْتِرَاقِ. وَكَانَ حَقُّ الْمُقَابَلَةِ أَنْ يُقَالَ وَالزَّانِيَةُ لَا تَنْكِحُ إلَّا مَنْ هُوَ زَانٍ أَوْ مُشْرِكً. لَكِنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ أَحْوَالِ الرِّجَالِ فِي الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، لِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ضَعْفَةِ الْمُهَاجِرِينَ لِمَّا هَمُوا أَنْ يَتَزَوَّجُوا بَغَايَا يُكْرِينَ أَنْفُسَهُنَّ لِيُنْفِقَنَّ عَلَيْهِمْ مِنْ أَكْسَابِهِنَّ عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلِذَلِكَ قَدَّمَ الزَّانِي. وََحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لأَنَّهُ تَشْبِهُ بِالْفَسَّاقِ وَتَعَرَّضَ لِلتُّهْمَةِ وَتَسَبَّبُ لِسُوءِ الْقَالَةِ وَالطَّعْنِ فِي النَّسَبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَفَاسِدِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ التَّنْزِيهِ بِالتَّحْرِيمِ مُبَالَغَةً. وَقِيلَ النَّفْيُ بِمَعْنَى النَّهْيِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ وَالْحُرْمَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا وَالْحُكْمُ مَخْصُوصٌ بِالسَّبَبِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ، أَوْ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: وََأَنْكِحُوا الْأَيامِى مِنْكُمْ فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُسَافَحَاتِ، وَيُؤَيِّدُهُ
أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «َأَوَّلُهُ سِفَاحٌ وَآخِرُهُ نِكَاحٌ وَالْحَرَامُ لَا يَحْرُمُ الْحَلَالِ»ُ
، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالنِّكَاحِ الْوَطْءُ فَيُؤَوَّلُ إِلَى نَهْيِ الزَّانِي عَنِ الزِّنَا إِلَّا بِزَانِيَةٍ، وَالزَّانِيَةُ أَنْ يَزْنِيَ بِهَا إِلَّا زَانٍ وَهُوَ فَاسِدٌ.
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ يَقَذِّفُونَهُنَّ بِالزِّنَا لِوَصْفِ الْمَقْذُوفَاتِ بِالإِِحِصَانِ، وَذَكَرَهُنَّ عَقِيبَ الزَّوَانِيِّ وَاعْتِبَارُ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً والْقَذْفُ بِغَيْرِهِ مِثْلَ يَا فَاسِقَ وَيَا شَارِبُ الْخَمْرِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ كَقَذْفِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَالإِِحِصَانِ هَا هُنَا بِالْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالإِِسَلَامِ وَالْعِفَّةِ عَنِ الزِّنَا وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الذِّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَتَخْصِيصِ الْمُحْصَناتِ لِخُصُوصِ الْوَاقِعَةِ أَوْ لِأَنَّ قَذْفَ النِّسَاءِ أَغْلَبُ وَأَشْنَعَ، وَلَا يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُ الشُّهُودِ عِنْدَ الْآدَاءِ وَلَا تُعْتَبَرُ شَهَادَةُ زَوْجِ الْمَقْذُوفَةِ خِلَافًًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَلْيَكُنْ ضَرْبُهُ أَخَفُّ مِنْ ضَرْبِ الزِّنَا لِضَعْفِ سَبَبِهِ وَاحْتِمَالِهِ وَلِذَلِكَ نَقْصَ عَدَدِهِ. وََلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَيُّ شَهَادَةُ كَانَتْ لِأَنَّهُ مُفْتِرٌ، وَقِيلَ شَهَادَتُهُمْ فِي الْقَذْفِ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْجِلْدِ خِلَافًًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فََإِنْ الأَمْرُ بِالْجِلْدِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْقَبُولِ سِيَّانٌ فِي وُقُوعِهِمَا جَوَابًًا لِلشَّرْطِ لَا تَرْتِيبُ بَيْنَهُمَا فَيَتَرَتَّبَانِ عَلَيْهِ دَفْعَةً، كَيْفَ وَحَالُهُ قَبْلَ الْجِلْدِ أَسْوَأُ مِمَّا بَعْدَهُ. أََبََدًا مَا لَمْ يَتُبَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى آخِرِ عُمْرِهِ. وََأُوَلَئِِكَ هُمُ الْفاسِِقُونَ الْمَحْكُومُ بِفِسْقِهِم.
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا عَن الْقُذْفِ. مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا أَعْمَالُهُمْ بِالتَّدَارُكِ، وَمِنْهُ الِاسْتِسْلَامُ لِلْحَدِّ أَوْ الِاسْتِحْلَالِ مِنْ الْمَقْذُوفِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ رَاجِعٌ إلَى أَصْلِ الْحُكْمِ وَهُوَ اقْتِضَاءُ الشَّرْطِ لِهَذِهِ الْأُمُورِ وَلَا يَلْزَمُهُ سُقُوطُ الْحَدِّ بِهِ كَمَا قِيلَ، لِأَنَّ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ أَوْ الِاسْتِحْلَالِ وَمَحَلُّ الْمُسْتَثْنَى النَّصْبُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَقِيلَ إلَى النَّهْيِ وَمَحَلُّهُ الْجَرُّ عَلَى الْبَدَلِ مِنْ هُمْ فِي لَهُمْ، وَقِيلَ إلَى الْأَخِيرَةِ وَمَحَلُّهُ النَّصْبُ لِأَنَّهُ مِنْ مُوجِبٍ وَقِيلَ مُنْقَطِعٌ مُتَّصِلٍ بِمَا بَعْدَهُ. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ علة لِلاسْتِثْنَاءِ.
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧)
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ نَزَلت فِي هِلالِ بْنُ أُمَيَّةَ رَأَى رَجُلًا عَلَى فِرَاشِهِ، وَأَنْفُسِهِمْ بَدَلٌ مِنْ شُهَدَاءَ أَوْ صِفَةٍ لَهُمْ عَلَى أَنَّ إِلَّاَّ بِمَعْنَى غَيْرٍ. فََشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ فَالْوَاجِبُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَوْ فَعَلَيْهِمْ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ، وَأََرِْبَعُ نَصْبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ وَقَدْ رَفَعَهُ حَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَحَفَصَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ «ِشَهَادَةَ»ُ . بِِاللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِشَهَادَاتٍ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ وَقِيلَ بِشَهَادَةٍ لِتَقَدُّمِهَا. إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ أي فِيمَا رَمَاهَا بِهِ مِنَ الزِّنَا، وَأَصْلُهُ عَلَى أَنَّهُ فَحَذَفَ الْجَارَ وَكَسِرَتْ إنْ وَعَلَّقَ الْعَامِلُ عَنْهُ بِاللَّامِ تَأْكِيدًا.
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout