قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ جهرًا كان أو سرًا فضلًا عما أسروا به فهو آكد من قوله قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولذلك اختير هاهنا وليطابق قوله وَأَسَرُّوا النَّجْوَى في المبالغة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص قالَ بالإِخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون.
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ إضراب لهم عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام ثم إلى أنه كلام افتراه، ثم إلى أنه قول شاعر والظاهر أن بَلْ الأولى لتمام حكاية والإِبتداء بأخرى أو للإِضراب عن تحاورهم في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاولهم في أمر القرآن، والثانية والثالثة لإِضرابهم عن كونه أباطيل خيلت إليه وخلطت عليه إلى كونه مفتريات اختلقها من تلقاء نفسه، ثم إلى أنه كلام شعري يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها ويرغبه فيها، ويجوز أن يكون الكل من الله تنزيلًا لأقوالهم في درج الفساد لأن كونه شعرًا أبعد من كونه مفترى لأنه مشحون بالحقائق والحكم وليس فيه ما يناسب قول الشعراء، وهو من كونه أحلامًا لأنه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع والمفتري لا يكون كذلك بخلاف الأحلام، ولأنهم جربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نيفًا وأربعين سنة وما سمعوا منه كذبًا قط، وهو أبعد من كونه سحرًا لأنه يجانسه من حيث إنهما من الخوارق. فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ أي كما أرسل به الأولون مثل اليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى، وصحة التشبيه من حيث إن الإِرسال يتضمن الإِتيان بالآية.
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧)
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ من أهل قرية. أَهْلَكْناها باقتراح الآيات لما جاءتهم. أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ لو جئتهم بها وهم أعتى منهم، وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بالمقترح للإِبقاء عليهم إذ لو أتى به ولم يؤمنوا استوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم.
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ جواب لقولهم هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب عن حال الرسل المتقدمة ليزول عنهم الشبهة والإِحالة عليهم إما للإلزام فإن المشركين كانوا يشاورونهم في أمر النبي عليه الصلاة والسلام ويثقون بقولهم، أو لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم وإن كانوا كفارًا. وقرأ حفص نُوحِي بالنون.
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠)
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ نفي لما اعتقدوا أنها من خواص الملك عن الرسل تحقيقًا لأنهم كانوا أبشارًا مثلهم. وقيل جواب لقولهم مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ وَما كانُوا خالِدِينَ تأكيد وتقرير له فإن التعيش بالطعام من توابع التحليل المؤدي إلى الفناء وتوحيد الجسد لا إرادة الجنس، أو لأنه مصدر في الأصل أو على حذف المضاف أو تأويل الضمير بكل واحد وهو جسم ذو لون فلذلك لا يطلق على الماء والهواء، ومنه الجساد للزعفران. وقيل جسم ذو تركيب لأن أصله لجمع الشيء واشتداده.
ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ أي في الوعد. فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ يعني المؤمنين بهم ومن في إبقائه حكمة
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout