وَإِنْ جَعَلَ مَفْعُولًًا لَهُ لَفْظًًا أَوْ مَعْنًى فَلَا لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُعَلَّلُ بِنَفْسِهِ وَلَا بِنَوْعِهِ. مَِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى مَع مَا بَعْدَهُ إِلَى قَوْلِهِ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى تَفْخِيمَ لِشَأْنِ الْمَنْزِلِ بِفَرْطِ تَعْظِيمِ الْمَنْزِلِ بِذِكْرِ أَفْعَالِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي هُوَ عِنْدَ الْعَقْلِ، فَبَدَأَ بِخَلْقِ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتِ الَّتِي هِيَ أُصُولُ الْعَالِمِ، وَقَدَّمَ الْأَرْضَ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى الْحِسِّ وَأَظْهَرُ عِنْدَهُ مِنْ السَّمَوَاتِ الْعُلَى، وَهُوَ جَمْعُ الْعُلْيَا تَأْنِيثُ الْأَعْلَى، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى وَجْهِ إِحْدَاثِ الْكَائِنَاتِ وَتَدْبِيرِ أَمْرِهَا بِأَنَّ قَصْدَ الْعَرْشِ فَأَجْرَى مِنْهُ الْأَحْكَامَ وَالتَّقَادِيرَ، وَأَنْزَلَ مِنْهُ الْأَسْبَابُ عَلَى تَرْتِيبٍ وَمَقَادِيرِ حَسَبِ مَا اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ فَقَالَ:
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فَِي الْأَرْضِ وَما بََيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فَِي الْأَرْضِ وَما بََيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى لِيَدُل بِذَلِكَ عَلَى كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَلَمَّا كَانَتْ الْقُدْرَةُ تَابِعَةً لِلْإِرَادَةِ وَهِيَ لَا تَنْفَكُّ عَنْ الْعِلْمِ عَقِبَ ذَلِكَ بِإِحَاطَةِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِجِلِيَّاتِ الْأُمُورِ وَخُفْيَاتِهَا عَلَى سَوَاءٍ فَقَالَ:
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧)
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى أِيُّ وَإِنْ تَجَهَّرَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَدُعَائِهِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ جَهْرِكَ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى مِنْهُ، وَهُوَ ضَمِيرُ النَّفْسِ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ الذِّكَرِ وَالدُّعَاءِ وَالْجَهْرِ فِيمَا لَيْسَ لِإِِعَلَامِ اللَّهِ بَلْ لِتَصْوِيرِ النَّفْسِ بِالذِّكْرِ وَرَسُوخِهِ فِيهَا وَمَنْعَهَا عَنْ الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهِ وَهَضَمِهَا بِالتَّضَرُّعِ وَالْجُؤَارِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ الْمُسْتَجْمَعُ لِصِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ بَيْنَ أَنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِهَا وَالْمُتَوَحِّدُ بِمُقْتَضَاهَا فَقَالَ:
اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)
اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ومن في مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ صلة ل تَنْزِيلًا أَو صِفَةَ لَهُ، وَالِاِنْتِقَالُ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ لِلتَّفَنُّنِ فِي الْكَلَاَمِ وَتَفْخِيمِ الْمَنْزِلِ مِنْ وَجْهَيْنِ إِسْنَادُ إِنْزَالِهِ إِلَى ضَمِيرِ الْوَاحِدِ الْعَظِيمِ الشَّأْنَ، وَنِسْبَتُهُ إِلَى الْمُخْتَصِّ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْإِِكِرَامِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبُ الْإِِيمَانِ بِهِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ كَلَامٌ مِنْ هَذَا شَأْنُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْزَلْنَا حِكَايَةَ كَلَامِ جِبْرِيلُ وَالْمَلَائِكَةُ النَّازِلِينَ مَعَهُ. وَقُرِئَ الرََّّحْمنُ عَلَى الْجَرِّ صِفَةَ لِمَنْ خَلِقَ فَيَكُونُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى خَبَر مَحْذُوف، وَكَذَا إِنَّ رَفَعَ الرََّّحْمنُ عَلَى الْمَدْحِ دُونَ الإِِبِتْدَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًًا ثَانِيًا، وَالثَّرِىُّ الطَّبَقَةُ التُّرَابِيَّةُ مِنَ الأَرْضِ وَهِيَ آخِرُ طَبَقَاتِهَا، وَالِْحُِسْنِى تَأْنِيثُ الأَحْسَنِ، وَفَضْلُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْأَسْمَاءِ فِي الْحَسَنِ لِدَلَالَتِهَا عَلَى مَعَانٍ هِيَ أَشْرَفُ الْمَعَانِي وَأَفْضَلُهَا.
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠)
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى قَفِى تَمْهِيدُ نُبُوتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِصَّةِ مُوسَى لِيَأْتُمَّ بِهِ فِي تَحَمُّلِ أَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ وَتَبْلِيغُ الرِّسَالَةِ وَالصَّبْرِ عَلَى مُقَاسَاةِ الشَّدَائِدِ، فَإِنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ.
إِِذْ رَأى نَارًا ظرف لل حَدِيثُ لأَنَّهُ حَدَثَ أَوْ مَفْعُولٌ لَأَذْكُرَ. قِيلَ إِنَّهُ اسْتَأْذَنَ شَعَيْبًٌا عَلَيْهِمَا الصَّلَاةَ وَالسَّلَامُ فِي الْخُرُوجِ إِلَى أُمِّهِ، وَخَرَجَ بِأَهْلِهِ فَلَمَّا وَافَى وَادِي طَوًى وَفِيهِ الطُّورُ وَلَدَ لَهُ ابْنٌ فِي لَيْلَةٍ شَاتِيَةٍ مُظْلِمَةٍ مُثْلَّجَةٍ، وَكَانَتْ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقُ وَتَفَرَّقَتْ مَاشِيَتُهُ إِذْ رَأَى مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا. فَقَالَ لِأَهْلِهِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout