بِمَا عَرَفَهُمْ وَكَشْفَ لَهُمْ مَا اعْتَقَلَ عَلَيْهِمْ، وَمُرَاعَاةٌ لِلْأَدَبِ بِتَفْوِيضِ الْعِلْمِ كُلِّهِ إلَيْهِ. وَسُبْحَانَ: مَصْدَرٌ كَغُفْرَانَ وَلَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إلَّا مُضَافًًا مَنْصُوبًًا بِإِضْمَارِ فِعْلِهِ، كَمُعَاذِ اللَّهِ. وَقَدْ أَُجَْرِيَ علمًا لِلتَّسْبِيحِ بِمَعْنَى التَّنْزِيهِ عَلَى الشُّذُوذِ فِي قَوْلِهِ: سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةِ الْفَاخِرِ. وَتَصْدِيرُ الْكَلَامِ بِهِ اعْتِذَارٌ عَنْ الِاسْتِفْسَارِ وَالْجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ مِفْتَاحَ التَّوْبَةِ فَقَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وقَال يُونس: سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الَّذِي لا يَخْفِى عَلَيْهِ خَافِيَةُ. الْحَكِيمُ الْمُحْكِمُ لِمُبْدَعَاتِهِ الَّذِي لَا يَفْعَلُ إِلَّاَّ مَا فِيهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةً. وَأَنْتَ فَصْلٌ، وَقِيلَ: تَأْكِيدٌ لِلْكَافِ كَمَا فِي قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكَ أَنْتَ، وَإِنْ لَمْ يَجُزِ: مَرَرْتُ بِأَنْتَ، إِذْ التَّابِعُ يَسُوغُ فِيهِ مَا لَا يَسُوغُ فِي الْمَتْبُوعِ، وَلِذَلِكَ جَازَ: يَا هَذَا الرَّجُلُ، وَلَمْ يَجُزِ: يَا الرَّجُلُ، وَقِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَا بَعْدَهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ إِن.
قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)
قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ أي: أَعْلَمُهُمْ، وَقُرِئَ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ يَاءُ وَحَذَفَهَا بِكَسْرِ الْهَاءِ فِيهِمَا.
فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ اسْتِحْضَارٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ لَكِنَّهُ جَاءَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ أَبْسَطَ لِيَكُونَ كَالْحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لِمَّا عُلِمَ مَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ أُمُورِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ أَحْوَالِهِمْ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ عِلِمَ مَا لَا يَعْلَمُونَ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُعَاتَبَتِهِمْ عَلَى تَرْكِ الْأُولَى، وَهُوَ أَنْ يَتَوَقَّفُوا مُتَرَصِّدِينِ لِأَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ، وَقِيلَ: مََا تُبْدُونَ قَوْلهم: أََتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فيها. ومَا تَكْتُمُونَ اسْتِبْطَانَهُمْ أَنَّهُمْ أَحَقَّاءُ بِالْخِلَافَةِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَخْلَقُ خَلْقًَا أَفْضَلُ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: مَا أَظْهَرُوا مِنْ الطَّاعَةِ، وَأَسَرَ إِبْلِيسَ مِنْهُمْ مِنْ الْمَعْصِيَةِ، وَالْهَمْزَةِ لِلْإِنْكَارِ دَخَلَتْ حَرْفَ الْجَحْدِ فَأَفَادَتْ الْإِثْبَاتُ وَالتَّقْرِيرَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ تَدُلُّ عَلَى شَرَفِ الْإِنْسَانِ، وَمَزِيَّةِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهُ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْخِلَافَةِ بَلْ الْعُمْدَةُ فِيهَا، وَأَنَّ التَّعْلِيمَ يَصِحُّ إِسْنَادُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ إطْلَاقُ الْمُعَلَّمِ عَلَيْهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَنْ يَحْتَرَفُ بِهِ، وَأَنَّ اللُّغَاتِ تَوْقِيفِيَّةً، فَإِنَّ الْأَسْمَاءَ تَدُلُّ عَلَى الْأَلْفَاظِ بِخُصُوصٍ أَوْ عُمُومٍ، وَتَعْلِيمُهَا ظَاهِرٌ فِي إلْقَائِهَا عَلَى الْمُتَعَلِّمِ مُبَيَّنًٌا لَهُ مَعَانِيهَا، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي سَابِقَةً وَضْعً، وَالْأَصْلُ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَضْعُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَ آدَمَ فَيَكُونُ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنَّ مَفْهُومَ الْحِكْمَةِ زَائِدٌ عَلَى مَفْهُومِ الْعِلْمِ وَإِلَّا لِتَكَرُّرِ قَوْلُهُ: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ وأَنَّ عُلُومَ الْمَلَاَئِكَةِ وَكَمَالَاَتِهِمْ تُقْبَلُ الزِّيَادَةُ، وَالْحُكَمَاءُ مَنَعُوا ذَلِكَ فِي الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا مِنْهُمْ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: وََما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَأَنَّ آدَمَ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاَءِ الْمَلَاَئِكَةِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُمْ، وَالْأَعْلَمُ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ وأَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ حُدُوثِهَا.
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِِرِينَ (٣٤)
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ لَمَا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَعِلْمِهُمْ مَا لَمْ يَعْلَمُوا أَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ لَهُ، اعْتِرَافًًا بِفَضْلِهِ، وَأَدَاءً لِحَقِّهِ وَاعْتِذَارًًا عَمَّا قَالُوا فِيهِ، وَقِيلَ: أَمَرَهُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَوِّيَ خَلْقَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَإِِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ امْتِحَانًُا لَهُمْ وَإِظْهَارًًا لِفَضْلِهِ. وَالْعَاطِفُ عَطْفُ الظَّرْفِ عَلَى الظَّرْفِ السَّابِقِ إِنْ نَصَبَتْهُ بِمُضْمَرٍّ، وَإِلَّا عَطْفَهُ بِمَا يَقْدِرُ عَامِلًًا فِيهِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، بَلْ الْقِصَّةُ بِأَسْرِهَا عَلَى الْقِصَّةِ الْأُخْرَى، وَهِيَ نِعْمَةٌ رَابِعَةٌ عَدَّهَا عَلَيْهِمْ. وَالسُّجُودُ فِي الْأَصْلِ تَذَلَّلُ مَعَ تُطَامُنٍ قَالَ الشَّاعِرُ:
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout