كَانَ مَعَهُ فِي مُحَارَبَةِ الْجِنِّ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَسْكَنَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَوَّلًَا فَأَفْسَدُوا فِيهَا، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ إبْلِيسَ فِي جُنْدٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَدَمَرْهُمْ وَفَرَّقَهُمْ فِي الْجَزَائِرِ وَالْجِبَالِ. وَجَاعِلَ: مَنْ جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولَانِ وَهُمَا فِي الْأََرِْضِ خَلِيفَةً أَعْمَلُ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ وَمُعْتَمَدٌ عَلَى مُسْنَدٍ إلَيْهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنًى خَالِقٍ. وَالْخَلِيفَةُ مَنْ يَخْلُفُ غَيْرَهُ وَيَنُوبُ مُنَابَهُ، وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَنَّهُ كَانَ خَلِيفَةَ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ نَبِيٍّ اسْتَخْلَفَهُمْ اللَّهُ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ وَسِيَاسَةِ النَّاسِ وَتَكْمِيلِ نُفُوسِهِمْ وَتَنْفِيذِ أَمْرِهِ فِيهِمَ، لَا لِحَاجَةَ بِهِ تَعَالَى إِلَى مَنْ يَنُوبُهُ، بَلْ لِقُصُورِ الْمُسْتَخْلَفِ عَلَيْهِ عَنْ قَبُولِ فَيْضِهِ، وَتَلَقِّي أَمْرِهُ بِغَيْرِ وَسَطٍ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْتَنْبِئْ مِلْكًًا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وََلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا أَلا تَرِى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمَّا فَاقَتْ قُوَّتُهُمْ، وَاشْتَعَلَتْ قَرِيحَتُهُمْ بِحَيْثُ يََكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لمَ تَمْسِسْهُ نَارً، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ الْمَلَاَئِكَةَ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ أَعْلَى رُتْبَةِ كَلَّمِهُ بِلَا وَاسِطَةً، كَمَا كَلَّمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمِيقَاتِ، وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الطَّبِيعَةِ أَنَّ الْعَظْمَ لَمَّا عَجَزَ عَنْ قَبُولِ الْغِذَاءِ مِنْ اللَّحْمِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ التَّبَاعُدِ، جَعَلَ الْبَارِيَ تَعَالَى بِحِكْمَتِهِ بَيْنَهُمَا الْغَضْرُوفُ الْمُنَاسِبُ لَهُمَا لِيَأْخُذَ مِنْ هَذَا وَيُعْطِي ذَلِكَ. أَوْ خَلِيفَةً مِنْ سَكَنِ الْأَرْضِ قَبْلَهُ، أَوْ هُوَ وَذُرِّيَّتُهُ لِأَنَّهُمْ يَخْلِفُونَ مِنْ قِبَلِهِمْ، أَوْ يَخْلِفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًَا. وَإِفْرَادُ اللَّفْظِ: إمَّا لِلِاسْتِغْنَاءِ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ بَنِيهِ كَمَا اُسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ أَبِي الْقَبِيلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: مُضَرٌّ وَهَاشِمٌ. أَوْ عَلَى تَأْوِيلِ مَنْ يَخْلُفُكُمْ، أَوْ خَلْفًَا يَخْلُفُكُمْ. وَفَائِدَةُ قَوْله تَعَالَى هَذَا لِلْمَلَائِكَةِ، تَعْلِيمُ الْمُشَاوَرَةِ، وَتَعْظِيمُ شَأْنِ الْمَجْعُولِ، بِأَنَّ بَشَّرَ عَزَّ وَجَلَّ بِوُجُودِ سُكَّانٍ مَلْكُوتِهِ، وَلَقَبَهُ بِالْخَلِيفَةِ قَبْلَ خَلْقِهِ، وَإِظْهَارُ فَضْلِهِ الرَّاجِحِ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ بِسُؤَالِهِمْ، وَجَوَابُهِ وَبَيَانِ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَقْتَضِي إيجَادُ مَا يَغْلِبُ خَيْرَهُ، فَإِنْ تَرَكَ الْخَيْرُ الْكَثِيرَ لِأَجْلِ الشَّرِّ الْقَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ تَعَجُبٌ مَنْ أَنْ يَسْتَخْلِفَ لِعِمَارَةِ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحِهَا مَنْ يَفْسُدُ فِيهَا، أَوْ يَسْتَخْلِفُ مَكَانَ أَهْلِ الطَّاعَةِ أَهْلُ الْمَعْصِيَةِ، وَاسْتِكْشَافٍ عَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحِكْمَةِ الَّتِي بَهِرَتْ تِلْكَ الْمَفَاسِدَ وَأَلْغَتْهَا، وَاسْتِخْبَارٌ عَمَّا يُرْشِدُهُمْ وَيُزِيحُ شُبْهَتَهُمْ كَسُؤَالِ الْمُتَعَلِّمِ مُعَلِّمُهُ عَمَّا يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِهِ، وَلَيْسَ بِاعْتِرَاضٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، وَلَا طَعْنَ فِي بَنِي آدَمَ عَلَى وَجْهِ الْغِيْبَةِ، فَإِنَّهُمْ أَعْلَى مِنْ أَنْ يَظُنَّ بِهِمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ وإِنَّمَا عَرَفُوا ذَلِكَ بِإِخْبَارٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ تَلِقَ مِنْ اللَّوْحِ، أَوْ اسْتِنْبَاطٍ عَمَّا رَكَزَ فِي عُقُولِهِمْ أَنَّ الْعِصْمَةَ مِنْ خَوَاصِّهِمْ، أَوْ قِيَاسٍ لِأَحَدِ الثِّقَلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. وَالسَُّفِْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والشَّنُّ أَنْواع مِنَ الصَّبِّ، فَالسُّفَكُ يُقَالُ فِي الدَّمِ وَالدَّمْعِ، وَالسَّبْكِ فِي الْجَوَاهِرِ الْمُذَابَةِ، وَالسَّفْحُ فِي الصَّبِّ مِنْ أَعْلَى، وَالشَّنِّ فِي الصَّبِّ مِنْ فَمِ الْقُرْبَةِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَلِكَ السِّنَّ، وَقُرِئَ «ِيُِّسْفِكُ» عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ الرَّاجِعُ إِلَى مََنْ، سَوَاءٌ جَعَلَ مَوْصُولًًا أَوْ مَوْصُوفًًا مَحْذُوفًًا، أَيْ: يُسْفُكُ الدِّمَاءَ فِيهِم.
وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ حَال مُقَرَّرَةُ لِجِهَةِ الْإِشْكَالِ كَقَوْلِكَ: أَتَحْسِنُ إلَى أَعْدَائِكَ وَأَنَا الصِّدِّيقُ الْمُحْتَاجُ الْقَدِيمُ. وَالْمَعْنَى: أَتَسْتَخْلِفُ عَصَاةً وَنَحْنُ مَعْصُومُونَ أَحَقَّاءً بِذَلِكَ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ، الِاسْتِفْسَارُ عَمَّا رَجَّحَهُمْ وَمَعَ مَا هُوَ مُتَوَقِّعٌ مِنْهُمْ. عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمَعْصُومِينَ فِي الِاسْتِخْلَافِ، لَا الْعَجَبِ وَالتَّفَاخُرِ. وَكَأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الْمَجْعُولَ خَلِيفَةٌ ذُو ثَلَاثٍ قَوَى عَلَيْهَا مَدَارُ أَمْرِهِ: شَهْوِيَّةٌ وَغَضْبِيَّةٌ تُؤَدِّيَانِ بِهِ إِلَى الْفَسَادِ وَسَفَكِ الدِّمَاءِ، وَعَقْلِيَّةٌ تَدْعُوهُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَالطَّاعَةِ. وَنَظَرُوا إلَيْهَا مُفْرَدَةً وَقَالُوا: مَا الْحِكْمَةُ فِي اسْتِخْلَافِهِ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ تَيْنَكِ الْقُوتَيْنِ لَا تَقْتَضِي الْحِكْمَةَ إيجَادُهُ فَضْلًا عَنْ اسْتِخْلَافِهِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ الْعَقْلِيَّةِ فَنَحْنُ نَقِيمُ مَا يَتَوَقَّعُ مِنْهَا سُلِيمًٌا عَنْ مُعَارَضَةِ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ. وَغَفَلُوا عَنْ فَضِيلَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْقُوتَيْنِ إذَا صَارَتْ مُهَذَّبَةً مُطْوَاعَةً لِلْعَقْلِ، مُتَمَرِّنَةً عَلَى الْخَيْرِ كَالْعِفَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَمُجَاهَدَةِ الْهَوَى وَالْإِنْصَافِ. وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ التَّرْكِيبَ يُفِيدُ مَا يَقْصُرُ عَنْهُ الْآحَادُ، كَالْإِحَاطَةِ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَاسْتِنْبَاطِ الصِّنَاعَاتِ وَاسْتِخْرَاجِ مَنَافِعِ الْكَائِنَاتِ مِنْ الْقُوَّةِ إلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِخْلَافِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ تَعَالَى إجْمَالًًا بِقَوْلِهِ: قَالََ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout