يَتَّقِدُ بِهِ غَيْرُهَا، وَالْكِبْرِيتُ تَتَّقِدُ بِهِ كُلُّ نَارٍ وَإِنْ ضَعَفْت، فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَلَعَلَّهُ عَنِّي بِهِ أَنَّ الْأَحْجَارَ كُلَّهَا لِتِلْكَ النَّارِ كَالْحِجَارَةِ الْكِبْرِيتِ لِسَائِرِ النِّيرَانِ. وَلَمَّا كَانَتْ الْآيَةُ مَدْنِيَةً نَزَلَتْ بَعْدَ مَا نَزَلَ بِمَكَّةَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ نََارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ. وسَمَعُوهُ صَحَّ تَعْرِيفُ النَّارِ. وَوُقُوعِ الْجُمْلَةِ صِلَةً «ِبْإِزَائِهَا»ٍ فَإِنَّهَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةً مَعْلُومَةً.
أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ هَيْئت لهُم وَجَعَلْتُ عِدَّةً لِعَذَابِهِمْ. وَقُرِئَ: «َأَعْتَدْتُ»ُ مِنْ الْعِتَادِ بِمَعْنَى الْعِدَّةِ، وَالْجُمْلَةِ اسْتِئْنَافً، أَوْ حَالَ بِإِضْمَارٍ قَدْ مِنْ النَّارِ لَا الضَّمِيرَ الَّذِي فِي وُقُودِهَا، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مَصْدَرًًا لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا بِالْخَبَرِ. وَفِي الْآيَتَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى النُّبُوَّةِ مِنْ وُجُوهِ:
الْأَولِ: مَا فِيهِمَا مِنْ التَّحَدِّي وَالتَّحْرِيضِ عَلَى الْجَدِّ وَبَذْلُ الْوَسْعُ فِي الْمُعَارَضَةِ بِالتَّقْرِيعِ وَالتَّهْدِيدِ، وَتَعْلِيقِ الْوَعِيدِ عَلَى عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِمَا يُعَارِضُ أَقْصَرَ سُورَةٍ مِنْ سُورِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ إنَّهُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَاشْتِهَارِهِمْ بِالْفَصَاحَةِ وَتَهَالِكِهُمْ عَلَى الْمُضَادَّةِ لَمْ يَتَّصِدَّوا لِمُعَارَضَتِهِ، وَالتَّجَؤُوا إلَى جَلَاءِ الْوَطَنِ وَبَذْلِ الْمَهْجِ.
الثَّانِي: أَنَّهُمَا يَتَضَمَّنَانِ الْإِخْبَارَ عَنْ الْغَيْبِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ عَارَضُوهُ بِشَيْءٍ لَامْتَنَعَ خَفَاؤُهُ عَادَةً سِيَّمًا وَالطَّاعِنُونَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ الذَّابِينِ عَنْهُ فِي كُلِّ عَصْرَ.
الثَّالِثِ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ شَكَّ فِي أَمْرِهِ لِمَا دَعَاهُمْ إلَى الْمُعَارَضَةِ بِهَذِهِ الْمُبَالَغَةِ، مَخَافَةً أَنْ يُعَارِضَ فَتَدْحَضَ حُجَّتُهُ. وَقَوْله تَعَالَى: أَُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ دل على أَنَّ النَّارَ مَخْلُوقَةً مَعِدَّةُ الْآنَ لَهُم.
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ عَطف على الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ، وَالْمَقْصُودُ عَطْفُ حَالٍ مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَوَصْفَ ثَوَابِهِ، عَلَى حَالِ مَنْ كَفَرَ بِهِ، وَكَيْفِيَّةُ عِقَابِهِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْإِلَهِيَّةُ مِنْ أَنْ يَشْفَعَ التَّرْغِيبَ بِالتَّرْهِيبِ، تَنْشِيطًًا لِاكْتِسَابِ مَا يُنْجِي، وَتَثْبِيطًًا عَنْ اقْتِرَافِ مَا يَرْدِي، لَا عَطْفُ الْفِعْلِ نَفْسَهُ حَتَّى يَجِبَ أَنْ يَطْلُبَ لَهُ مَا يُشَاكِلُهُ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى فَاتَّقُوا، لِأَنَّهُمْ إذَا لَمْ يَأْتُوا بِمَا يُعَارِضُهُ بَعْدَ التَّحَدِّي ظَهَرَ إعْجَازُهُ، وَإِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ فَمَنْ كَفَرَ بِهِ اسْتَوْجَبَ الْعِقَابَ، وَمَنْ آمَنَ بِهِ اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي أَنْ يَخُوِّفَ هَؤُلَاَءِ وَيُبَشِّرُ هَؤُلَاَءِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، أَوْ عَالِمٌ كُلُّ عَصْرٍ، أَوْ كُلُّ أَحَدٍ يَقْدِرُ عَلَى الْبَشَارَةِ بِأَنْ يُبَشِّرَهُمَ. وَلَمْ يُخَاطِبْهُمْ بِالْبَشَارَةِ كَمَا خَاطَبَ الْكُفْرَةَ، تَفْخِيمًٌا لِشَأْنِهِمْ وَإِيذَانًِا بِأَنَّهُمْ أَحَقَّاءُ بِأَنْ يُبَشِّرُوا وَيَهْنَأُوا بِمَا أَعِدَّ لَهُمْ.
وَقُرِئَ «َوَبَشّرِ» عَلى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ عَطْفًًا عَلَى أَعَدْتِ فَيَكُونُ اسْتِئْنَافًًا. وَالْبِشَارَةُ: الْخَبَرُ السَّارَ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ أَثَرُ السُّرُورِ فِي الْبََشِْرَّة، وَلِذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ الْبَشَارَةُ: هِيَ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ، حَتَّى لَوْ قَالَ الرَّجُلُ لِعَبِيدِهِ: مَنْ بَشَّرَنِيٍّ بِقُدُومِ وَلَدِيٍّ فَهُوَ حُرٌّ، فَأَخْبَرُوهُ فُرَادَى عَتَقَ أََوَلُهُم، ولو قَالَ: مَنْ أَخْبَرَنِي، عَتَقُوا جَمِيعًَا، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى:
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ فَعَلِى التُّهَكُمِ أَوْ عَلَى طَرِيقَةِ قَوْلُهُ: تَحَِيَّةٌ بَيْنَهُمْ ضَرَبَ وَجِيعَ.
وَالصَّالِحاتِ جمع صَالِحَة وَهِيَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْأَسْمَاءِ كَالْحَسَنَةِ، قَالَ الْخَطِيْئَةُ:
كَيْفَ الهِجَاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحةُ ... من آل لاَمٍ بَظُهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي
وَهِيَ مِنَ الأَعْمَالِ مَا سَوَّغَهُ الشَّرْعُ وَحَسَّنَهُ، وَتَأْنِيثُهَا عَلَى تَأْوِيلِ الْخَصْلَةِ، أَوْ الْخَلَّةِ، وَاللَّامِ فِيهَا لِلْجِنْسِ، وَعَطْفُ الْعَمَلِ عَلَى الْإِيمَانِ مُرَتَّبًًا لِلْحُكْمِ عَلَيْهِمَا إشْعَارًٌا بِأَنَّ السَّبَبَ فِي اسْتِحْقَاقِ هَذِهِ الْبِشَارَةِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout