فََمَا رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ. تَرْشِيحٌ لِلْمَجَازِ، لَمَّا اسْتَعْمَلَ الِاِشْتِرَاءَ فِي مُعَامَلَتِهِمْ أَتْبَعُهُ مَا يُشَاكِلُهُ تَمْثِيلًًا لِخَسَارَتِهِمْ، وَنَحْوِهِ:
وَلَّما رأيْتُ النَّسْرَُ عَزَّ ابْنُ دَأْيَةَ ... وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْري
والتِّجارة: طَلب الرِّبْحُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. وَالرِّبْحُ: الْفَضْلُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ شِفَا، وَإِسْنَادُهُ إِلَى التِّجَارَةِ وَهُوَ لِأَرْبَابِهَا عَلَى الِاتِّسَاعِ لِتَلَبُّسِهَا بِالْفَاعِلِ، أَوْ لِمُشَابَهَتِهَا إِيَّاهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا سَبَبُ الرِّبْحِ وَالْخُسْرَانَ.
وَما كَانَُوا مَُهْتَدِينَ لطُرُقِ التِّجَارَةِ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا سَلَامَةُ رَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ، وَهَؤُلَاَءِ قَدْ أَضَاعُوا الطَّلَبَتَيْنِ لِأَنَّ رَأْسَ مََالِهم كَانَ الْفِطْرَةُ السَّلِيمَةَ، وَالْعَقْلُ الصَّرْفَ، فَلَمَّا اعْتَقَدُوا هَذِهِ الضَّلَالَاتِ بَطَلَ اسْتِعْدَادُهُمْ، وَاخْتَلَّ عَقْلُهُمْ وَلَمْ يَبْقََ لَهُمْ رَأْسُ مَالٍ يَتَوَسَّلُونَ بِهِ إِلَى دَرَكِ الْحَقِّ، وَنِيلِ الْكَمَالِ، فَبَقُوا خَاسِرِينَ آيُسِينَ مِنَ الرِّبْحِ فَاقْدِيْنِ لِلْأَصْلِ.
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧)
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا لما جَاءَ بِحَقِيقَةِ حَالِهِمْ عَقِبَهَا بِضَرْبِ الْمِثْلِ زِيَادَةً فِي التَّوْضِيحِ وَالتَّقْرِيرِ، فَإِنَّهُ أَوْقَعَ فِي الْقَلْبِ وَأَقْمَعُ لِلْخَصْمِ الْأَلْدَ، لِأَنَّهُ يَرِيكُ الْمُتَخَيِّلَ مُحَقَّقًًا وَالْمَعْقُولُ مَحْسُوسًٌا، وَلِأَمْرِ مَا أَكْثَرَ اللَّهُ فِي كُتُبِهِ الْأَمْثَالِ، وَفَشَتْ فِي كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْحُكَمَاءِ. وَالْمِثْلُ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى النَّظِيرِ يُقَالُ: مَثَل وَمَِثْل وَمَِثَِيَلُ كَشْبَهِ وَشِبَّهَ وَشَيْبَهُ، ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السَّائِرِ الْمُمَثَّلِ مُضْرِبُهُ بِمَوْرَدِهِ، وَلَا يَضْرَبُ إلَّا مَا فِيهِ غِرَابَةٌ، وَلِذَلِكَ حُوَفِظَ عَلَيْهِ مِنْ التَّغْيِيرِ، ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لِكُلِّ حَالٍ أَوْ قِصَّةٍ أَوْ صِفَةٍ لَهَا شَأْنٌ وَفِيهَا غَرَابَةُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ وقَوله تَعَالَى: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى.
والْمُعَنِى حَالهم الْعَجِيبَةُ الشَّأْنُ كَحَالُ مَنْ اسْتَوْقَدَ نَارًٍا، وَاَلَّذِي: بِمَعْنَى الَّذِينَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا إِنْ جَعَلَ مَرْجِعَ الضَّمِيرِ فِي بِنُورِهِمَ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ وَلَمْ يَجُزْ وَضْعُ الْقَائِمِ مَوْضِعَ الْقَائِمِينَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْوَصْفِ، بَلْ الْجُمْلَةُ الَّتِي هِيَ صِلَتُهُ وَهُوَ وَصِلَةٌ إلَى وَصْفِ الْمَعْرِفَةِ بِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ تَامٍّ بَلْ هُوَ كَالْجُزْءِ مِنْهُ، فَحَقُّهُ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ كَمَا لَا تُجْمَعُ أَخَوَاتُهَا، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَلَيْسَ الَّذِينَ جَمَعُهُ الْمُصَحَّحُ، بَلْ ذُو زِيَادَةِ زَيدَتْ لِزِيَادَةِ الْمَعْنَى وَلِذَلِكَ جَاءَ بِالْيَاءِ أَبَدًًا عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الَّتِي عَلَيْهَا التَّنْزِيلَ، وَلِكَوْنِهِ مُسْتَطَالًًا بِصِلَتِهِ اُسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ، وَلِذَلِكَ بِوَلَغَ فِيهِ فَحَذَفَ يَاؤُهُ ثُمَّ كَسَرَتُهُ ثُمَّ اقْتَصَرَ عَلَى اللَّامِ فِي أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ وَالْمَفْعُولِيْنَ، أَوْ قَصَدَ بِهِ جِنْسُ الْمُسْتَوْقِدِينَ، أَوْ الْفَوْجِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ. وَالِاسْتِيقَادُ: طَلَبَ الْوُقُودِ وَالسَّعْيِ فِي تَحْصِيلِهِ، وَهُوَ سُطُوعُ النَّارِ وَارْتِفَاعٌ لِهَبِهَا. وَاشْتِقَاقِ النَّارِ مِنْ: نَارٌ يَنُورُ نُورًًا إِذَا نَفَرَ لِأَنَّ فِيهَا حَرَكَةٌ وَاضْطِرَابًُا.
فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ أي: النَّار، مَا حَوْلُ الْمُسْتَوْقِدِ إنْ جَعَلْتَهَا مُتَعَدِّيَةً، وَإِلَّا أَمْكَنَ أَنْ تَكُونَ مُسْنَدَةً إلَى مَا، وَالتَّأْنِيثُ لِأَنَّ مَا حَوْلَهُ أَشْيَاءُ وَأَمَاكِنَ أَوْ إلَى ضَمِيرِ النَّارِ، وَمَا: مَوْصُولَةٌ فِي مَعْنَى الْأَمْكِنَةِ، نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِ، أَوْ مُزِيدَةٍ، وَحَوْلُهُ ظَرْفٌ وَتَأْلِيفُ الْحَوْلِ لِلدَّوَرَانِ. وَقِيلَ لِلْعَامِّ حَوْلٌ لِأَنَّهُ يُدُورُ.
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ جواب لَمَا، وَالضَّمِيرُ لِلَّذِي، وَجَمَعُهُ لِلْحَمْلِ عَلَى الْمَعْنَى، وَعَلَى هَذَا إنَّمَا قَالَ:
بِنُورِهِمْ وَلَمْ يُقُلِّ: بِنَارِهِمْ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ أَيْقَادِهَا. أَوْ اسْتِئْنَافٍ أُجِيبَ بِهِ اعْتِرَاضُ سَائِلٍ يَقُولُ: مَا بَالُهُمْ شُبَّهَتْ حَالُهُمْ بِحَالٍ مُسْتَوْقِدٍ انْطَفَأَتْ نَارَهُ؟ أَوْ بَدَلٌ مِنْ جُمْلَةِ التَّمْثِيلِ عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ. وَالضَّمِيرِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ، وَالْجَوَابُ مَحْذُوفٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ للإِيجَازِ وَأَمَّنَ الِالْتِبَاسِ. وَإِسْنَادُ الذَّهَابِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout