رَتِّبَ عَلَيْهِ. وَمَا
رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَذِبَ ثَلَاثٌ كَذُبَاتٍ
، فَالْمُرَادُ التَّعْرِيضُ. وَلَكِنْ لَمَّا شَابَهُ الْكَذِبُ فِي صُورَتِهِ سُمِّيَ بِهِ.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ عطف على يَكْذِبُونَ أَو يَقُُولُ. وَمَا رُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَأْتُوا بَعْدَ فَلَعَلَّهِ أَرَادَ بِهِ أَنَّ أَهْلَهَا لَيْسَ الَّذِينَ كَانُوا فَقَطْ، بَلْ وَسَيَكُونُ مِنْ بَعْدٍ مِنْ حَالِهِ حَالُهُمْ لِأَنَّ الْآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا بِالضَّمِيرِ الَّذِي فِيهَا. وَالْفَسَادُ: خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنِ الِاعْتِدَالِ. وَالصَّلَاحِ ضِدُّهُ وَكِلاَهُمَا يَعْمَانِ كُلُّ ضَارٍ وَنَافِعٌ.
وَكَانَ مِنْ فَسَادِهِمْ فِي الأَرْضِ هَُيْجُ الحُرُوب وَالْفِتْنُ بِمُخَادَعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَمُمَالَأَةُ الْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ بِإِفْشَاءِ الْأَسْرَارِ إِلَيْهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ مَا فِى الأَرْضِ مِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْحَرْثَ.
وَمِنْهُ إِظْهَارُ الْمَعَاصِي وَالْإِهَانَةِ بِالدَّيْنِ فَإِنَّ الْإِخْلَالَ بِالشَّرَائِعِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهَا مِمَّا يُوجِبُ الْهَرَجَ وَالْمَرَجَ وَيُخِلُّ بِنِظَامِ الْعَالِمِ. وَالْقَائِلِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، أَوْ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ وَهِشَامٌ (قُيْل) بإِشْمَامِ الضَّمِّ الأَوَّلِ.
قَالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ جَواب ل إِِذَا رَدَّ لِلنَّاصِحِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مُخَاطَبَتُنَا بِذَلِكَ، فَإِنْ شَأْنَنَا لَيْسَ إِلَّاَّ الْإِصْلَاحَ، وَإِنْ حَالَنَا مُتَمَحِّضَةً عَنْ شَوَائِبِ الْفَسَادِ، لِأَنَّ (إِنَّمَا) تُفِيدُ قَصْرَ مَا دَخَلْتْ عَلَيْهِ عَلَى مَا بَعْدَهُ. مَثَلً: إِنَّمَا زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ، وَإِنَّمَا يَنْطَلِقُ زَيْدٌ، وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ: لِأَنَّهُمْ تَصَوَّرُوا الْفَسَادَ بِصُورَةِ الصَّلَاحِ لِمَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْمَرَضِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أََفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا.
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لاَّ يَشْعُرُونَ رد لما ادَّعُوهُ أَبْلَغََ رَدَّ لِلِاِسْتِئْنَافِ بِهِ وَتَصْدِيرُهُ بِحَرْفَيْ التَّأْكِيدِ:
(ألا) الْمُنْبَهَةَ عَلَى تَحْقِيقِ مَا بَعْدَهَا، فَإِنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ الَّتِي لِلْإِنْكَارِ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ أَفَادَتْ تَحْقِيقًٌا، وَنَظِيرُهُ (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِر)، وَلِذَلِكَ لَا تَكَادُ تَقَعُ الْجُمْلَةُ بَعْدَهَا إِلَّا مَصْدَرَةً بِمَا يَتَلَقَّى بِهِ الْقِسْمُ، وَأُخْتُهَا أَمَّا الَّتِي هِيَ مِنْ طَلَائِعِ الْقِسْمِ: وَإِنَّ الْمُقَرَّرَةَ لِلنِّسْبَةِ، وَتَعْرِيفِ الْخَبَرِ وَتَوْسِيطِ الْفَصْلِ لِرَدِّ مَا فِي قَوْلِهِمْ (إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) مِنَ التَّعْرِيضِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالِاسْتِدْرَاكِ بِ لَاَ يَشْعُرُونَ.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النََّّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣)
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا مَنْ تَمَامِ النَّصْحِ وَالْإِرْشَادِ فَإِنَّ كَمَالَ الْإِيمَانِ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ: الْإِعْرَاضُ عَمَّا لَا يَنْبَغِي وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ: لَاََ تُفَْسِدُوا، وَالإِتْيَانُ بِمَا يَنْبَغِي وَهُوَ الْمَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ: آمَنُوا.
كَما آمَنَ النََّّاسُ فِي حَيِّزِ النَّصْبِ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ كَافَّةٍ مِثْلِهَا فِي رُبّمَا، وَاللَّامُ فِي النَّاسِ لِلْجِنْسِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْكَامِلُونَ فِي الإِنْسَانِيَّةِ الْعَامِلُونَ بِقَضِيَّةِ الْعَقْلِ، فَإِنَّ اسْمَ الْجِنْسِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ لِمُسَمَّاهُ مُطْلَقًًا يُسْتَعْمَلُ لِمَا يَسْتَجْمِعُ الْمَعَانِي الْمَخْصُوصَةَ بِهِ وَالْمَقْصُودَةُ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ يُسْلَبُ عَنْ غَيْرِهِ فَيُقَالُ: زَيْدٌ لَيْسَ بِإِنْسَانٍ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ وَنَحْوُهُ وَقَدْ جَمَعَهُمَا الشَّاعِرُ فِي قَوْلِهِ:
إِذْ النَّاسُُ نَاسٌٍ وَالزَّمَانُُ زَمَانٌ أَوْ لِلْعَهْدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ. أَوْ مِنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ جِلْدَتِهِمْ كَابْنِ سَلَاَمٍ وَأَصْحَابِهِ،
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout