مَكِيَّةُ غَيْرُ سِتِّ آيَاتٍ أَوْ ثَلَاثِ آيَاتٍ مِنْ قَوْلِهِ:
قُلْ تَعالَوْا وهِي مِائَةُ وَخَمْسٌ وَسِتُّونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَخْبَرُ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَقِيقٌ بِالْحَمْدِ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ الْمُسْتَحَقُّ لَهُ عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ الْجِسَامِ حَمْدٌ أَوْ لَمْ يَحْمَدْ، لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَى الَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، وَجَمْعَ السَّمَوَاتِ دُونَ الْأَرْضِ وَهِيَ مِثْلُهُنَّ لِأَنَّ طَبَقَاتَهَا مُخْتَلِفَةٌ بِالذَّاتِ مُتَفَاوِتَةُ الْآثَارِ وَالْحَرَكَاتِ، وَقَدَّمَهَا لِشَرَفِهَا وَعُلُوِّ مَكَانَهَا وَتَقَدَّمَ وُجُودُهَا. وََجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ أنْشَأهُمَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ خَلْقٍ وَجَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولٌ وَاحِدٌ أَنَّ الْخَلْقَ فِيهِ مَعْنَى التَّقْدِيرِ وَالْجُعْلِ فِيهِ مَعْنَى التَّضَمُّنِ. وَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ إحْدَاثِ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ بِالْجُعْلِ تَنْبِيهًٌا عَلَى أَنَّهُمَا لَا يَقُومَانِ بِأَنْفُسِهِمَا كَمَا زَعَمَتْ الثَّنَوِيَّةُ، وَجَمْعُ الظُّلُمَاتِ لِكَثْرَةِ أَسْبَابِهَا وَالْأَجْرَامِ الْحَامِلَةِ لَهَا، أَوْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالظُّلَمَةِ الضَّلَالَ، وَبِالنُّورِ الْهُدَى وَالْهُدَى وَاحِدٌ وَالضَّلَالُ مُتَعَدِّدٌ، وَتَقْدِيمُهَا لِتَقَدُّمِ الْإِِعِدَامِ عَلَى الْمُلَكَاتِ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الظُّلْمَةَ عَرَضٌ يُضَادُ النُّورَ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَدَمَ الْمِلَكَةِ كَالْعَمَى لَيْسَ صَرْفُ الْعَدَمِ حَتَّى لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ الْجُعْلُ. ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ عَطْف عَلَى قَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَقِيقٌ بِالْحَمْدِ عَلَى مَا خَلَقَهُ نِعْمَةً عَلَى الْعِبَادِ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ فَيَكْفِرُونَ نِعْمَتَهُ، وَيَكُونُ بِرَبِّهِمْ تَنْبِيهًٌا عَلَى أَنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَسْبَابًًا لِتَكُونِهِمْ وَتَعَيَّشِهِمْ، فَمَنْ حَقَّهُ أَنْ يَحْمَدَ عَلَيْهَا وَلَا يُكَفِّرُ، أَوْ عَلَى قَوْلِهِ خُلِقَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلْقَ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ سِوَاهُ، ثُمَّ هُمْ يَعْدِلُونَ بِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ. وَمَعْنًى ثُمَّ: اسْتِبْعَادُ عُدُولِهِمْ بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ، وَالْبَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُفَرُوا وَصِلَةٍ يَعْدِلُونَ مَحْذُوفَةً أَيْ يَعْدِلُونَ عَنْهُ لِيَقَعَ الْإِِنِكَارُ عَلَى نَفْسِ الْفِعْلِ، وَعَلَى الثَّانِي مُتَعَلِّقَةٌ بِ يََعْدِلُونَ وَالْمَعْنِى أَنَّ الْكُفَّارَ يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَانِ أَيْ يَسُوُّونَهَا بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢)
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ أَيُّ ابْتَدَأَ خَلَقَكُمْ مِنْهُ، فَإِنَّهُ الْمَادَّةُ الْأُولَى وَأَنَّ آدَمَ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْبَشَرِ خُلِقٌ مِنْهُ، أَوْ خَلَقَ أَبَاكُمْ فَحَذَفَ الْمُضَافَ. ثُمَّ قَضى أَجَلًا أجل المَوت. وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ أَجل القِيَامَةِ. وَقِيلَ الْأَوَّلُ مَا بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْمَوْتِ، وَالثَّانِي مَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْبَعْثَ، فَإِنَّ الْأَجَلَ كَمَا يُطْلَقُ لِآخِرِ الْمُدَّةِ يُطْلَقُ لِجُمْلَتِهَا. وَقِيلَ الْأَوَّلُ النَّوْمُ وَالثَّانِي الْمَوْتَ. وَقِيلَ الْأَوَّلُ لِمَنْ مَضَى وَالثَّانِي لِمَنْ بَقِيَ وَلِمَنْ يَأْتِي، وَأَجَّلَ نَكِرَةٍ خُصَّصَتْ بِالصِّفَةِ وَلِذَلِكَ اُسْتُغْنِيَ عَنْ تَقْدِيمِ الْخَبَرِ وَالِاسْتِئْنَافِ بِهِ لِتَعْظِيمِهِ وَلِذَلِكَ نُكَرٌ وَوَصْفَ بِأَنَّهُ مُسَمًّى أَيْ مُثْبِتٌ مُعَيَّنٍ لَا يَقْبَلُ التَّغَيُّرُ، وَأَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ لَا مَدْخَلَ لِغَيْرِهِ فِيهِ يُعْلَمُ وَلَا قُدْرَةَ وَلِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بَيَانُهُ.
ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ اسْتِبْعَادُ لِامْتِرَائِهِمْ بَعْدَ مَا ثَبَتَ أَنَّهُ خَالِقَهُمْ وَخَالِقَ أُصُولَهُمْ وَمُحْيِيهِمْ إِلَى آجَالِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout