نَقِيضَتُهَا وَلَازِمَةٌ لِلْأَسْمَاءِ لُزُومُهَا. وَفِي قِرَاءَةِ أَبِي الشُّعْثَاءِ مَرْفُوعٌ بِلَا الَّتِي بِمَعْنَى لَيْسَ وَفِيهِ خَبَرُهُ وَلَمْ يُقَدَّمْ كَمَا قَدَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى: لَاَ فَِيهَا غَوْلٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَخْصِيصَ نَفْيِ الرِّيبِ بِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْكُتُبِ كَمَا قَصَدَ ثَمَّةً، أَوْ صِفَتُهُ وَلِلْمُتَّقِينِ خَبَرُهُ. وَهُدَى نَصْبٌ عَلَى الْحَالِ، أَوْ الْخَبَرِ مَحْذُوفٌ كَمَا فِي لَا ضََيْرَ، فَلِذلك وَقَفَ عَلَى لَاَ رََيْبَ، عَلِى أَنَّ فِيهِ خَبَرُ هُدِى قَدِمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ وَالتَّقْدِيرِ: لَا رَيْبَ فِيهِ، فِيهِ هَدَى، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وَالْكِِتَابُ خَبَرُهُ عَلَى مَعْنًى: أَنَّهُ الْكِتَابُ الْكَامِلُ الَّذِي يَسْتَأْهِلُ أَنْ يُسَمَّى كِتَابًًا، أَوْ صِفَتَهُ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْم.
وَالْأُوْلَى أَنْ يُقَالَ إِنَّهَا أَرْبَعُ جَمَلٌ مُتَنَاسِقَةً تَقَرَّرُ اللَّاحِقَةُ مِنْهَا السَّابِقَةُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ الْعَاطِفُ بَيْنَهَا. فَ الْم، جُمْلَةُ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمُتَحَدَّى بِهِ هُوَ الْمُؤَلِّفُ مِنْ جِنْسِ مَا يَرْكَبُونَ مِنْهُ كَلَامُهُمْ، وَذَلِِكََ الْكِتابُ جُمْلَةُ ثَانِيَةً مُقَرَّرَةً لِجِهَةِ التَّحَدِّي، وَلَا رَيْبَ فِيهِ، جُمْلَةُ ثَالِثَةٌ تَشْهَدُ عَلَى كَمَالِهِ بِأَنَّ الْكِتَابَ الْمَنْعُوتَ بِغَايَةِ الْكَمَالِ إذْ لَا كَمَالَ أَعْلَى مِمَّا لِلْحَقِّ وَالْيَقِينِ. وَهُِدىً لِلْمُتَّقِينَ، بما يَقْدِرُ لَهُ مُبْتَدَأٌ جُمْلَةً رَابِعَةً تُؤَكَّدُ كَوْنُهُ حَقًًّا لَا يَحُومُ الشَّكُّ حَوْلَهُ بِأَنَّهُ هُُدىً لِلْمُتَّقِينَ، أَو تَسْتَتْبِعُ السَّابِقَةَ مِنْهَا اللَّاحِقَةُ اسْتِتْبَاعُ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَمَّا نَبَّهَ أَوَّلًَا عَلَى إعْجَازِ الْمُتَحَدَّى بِهِ مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِهِمْ وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مُعَارَضَتِهِ، اسْتَنْتَجْ مِنْهُ أَنَّهُ الْكِتَابُ الْبَالِغُ حَدُّ الْكَمَالِ وَاسْتَلْزَمَ ذَلِكَ أَنْ لَا يَتَشَبَّثَ الرِّيبُ بِأَطْرَافِهِ إذْ لَا أَنْقَصُ مِمَّا يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ وَالشُّبْهَةُ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ لَا مَحَالَةَ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا نُكْتَةُ ذَاتِ جَزَالَةٍ فَفِي الْأُولَى الْحَذْفُ وَالرَّمْزُ إلَى الْمَقْصُودِ مَعَ التَّعْلِيلِ، وَفِي الثَّانِيَةِ فَخَامَةُ التَّعْرِيفِ، وَفِي الثَّالِثَةِ تَأْخِيرُ الظَّرْفِ حَذَرًا عَنْ إبْهَامِ الْبَاطِلِ، وَفِي الرَّابِعَةِ الْحَذْفُ وَالتَّوْصِيفُ بِالْمَصْدَرِ لِلْمُبَالَغَةِ وَإِيرَادِهِ مُنْكِرًًا لِلتَّعْظِيمِ وَتَخْصِيصِ الْهُِدَى بِالْمُتَّقِينِ بِاعْتِبَارِ الْغَايَةِ تَسْمِيَةُ الْمَشَارِفِ لِلتَّقْوَى مُتَّقِيًا إيجَازًًا وَتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ.
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ إمَّا مَوْصُولٌ بِالْمُتَّقِينِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ مَجْرُورَةٌ مُقَيَّدَةٌ لَهُ إنْ فَسَّرَ التَّقْوَى بِتَرْكِ مَا لَا يَنْبَغِي مُتَرَتِّبَةً عَلَيْهِ تَرْتِيبُ التَّحْلِيَةِ عَلَى التَّخْلِيَةِ، وَالتَّصْوِيرِ عَلَى التَّصْقِيلِ. أَوْ مُوضِحَةٍ إنْ فَسَّرَ بِمَا يَعُمُّ فِعْلُ الْحَسَنَاتِ وَتَرْكَ السَّيِّئَاتِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا هُوَ أَصْلُ الْأَعْمَالِ وَأَسَاسِ الْحَسَنَاتِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ، فَإِنَّهَا أُمَّهَاتُ الْأَعْمَالِ النُّفْسَانِيَّةُ وَالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةُ وَالْمَالِيَّةُ الْمُسْتَتْبِعَةُ لِسَائِرِ الطَّاعَاتِ وَالتَّجَنُّبِ عَنْ الْمَعَاصِي غَالِبًًا، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: إِِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ.
وقوله عليه الصلاةُ والسلام: «َالصَّلَاَةُ عِمَادُ الدِّيْنِ، وَالزَّكَاةُ قَنْطَرَةُ الْإِسْلَامِ»ِ
. أَوْ مَسَوَّقَةٌ لِلْمَدْحِ بِمَا تَضَمَّنَهُ الْمُتَّقِينُ. وَتَخْصِيصُ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ بِالذِّكْرِ إظْهَارٌ لِفَضْلِهَا عَلَى سَائِرِ مَا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ التَّقْوَى. أَوْ عَلَى أَنَّهُ مَدْحٌ مَنْصُوبٌ، أَوْ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي أَوْ هُمْ الَّذِينَ. وَإِمَّا مَفْصُولٌ عَنْهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ أُولَئِكَ عَلَى هُدَى، فَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى الْمُتَّقِينِ تَامًَّا.
وَالْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ التَّصْدِيقِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْأَمْنِ، كَأَنَّ الْمِصْدَّقَ أَمْنَ الْمِصْدِّّقِ مِنْ التَّكْذِيبِ وَالْمُخَالَفَةِ، وَتَعْدِيَتِهِ بِالْبَاءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الِاعْتِرَافِ وَقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْوُثُوقِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْوَاثِقَ بِالشَّيْءِ صَارَ ذَا أَمِنَ مِنْهُ، وَمِنْهُ مَا أَمِنْتُ أَنْ أَجِدَ صَحَابَةً وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ حَسَنٌ فِي يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ.
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ: فَالتَّصْدِيقُ بِمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مِنْ دَيْنِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَمَجْمُوعِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ: اعْتِقَادُ الْحَقِّ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ، وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْخُوَارِجِ.
فَمَنْ أَخَلَّ بِالِاعْتِقَادِ وَحْدَهُ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَنْ أَخَلَّ بِالْإِقْرَارِ فَكَافِرٌ، وَمَنْ أَخَلَّ بِالْعَمَلِ فَفَاسِقَ وِفَاقًِا، وَكَافِرٌ عِنْدَ الْخَوَارِجِ، وَخَارِجٌ عَنِ الْإِيمَانِ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْكُفْرِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ التَّصْدِيقُ وَحْدَهُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَضَافَ الْإِيمَانُ إِلَى الْقَلْبِ فَقَالَ: أَُوَلَئِِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ، وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ،
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout