وَالْقِسْطَاسِ، أَوْ دَلَالَةً عَلَى الْحُرُوفِ الْمَبْسُوطَةِ مُقْسِمًٌا بِهَا لِشَرَفِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا بِسَائِطِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَادَّةُ خِطَابِهِ.
هَذَا وَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا أَسْمَاءُ السُّورِ يُخْرِجُهَا مَا لَيْسَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءَ فَصَاعِدًَا مُسْتَكْرَهُ عِنْدَهُمْ وَيُؤَدِّي إلَى اتِّحَادِ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى، وَيَسْتَدْعِي تَأَخُّرَ الْجُزْءِ عَنْ الْكُلِّ مِنْ حَيْثُ إنَّ الِاسْمَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْمُسَمَّى بِالرُّتْبَةِ، لِأَنَّا نَقُولُ: إنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَمْ تُعْهَدْ مَزِيدَةً لِلتَّنْبِيهِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى الِانْقِطَاعِ وَالِاسْتِئْنَافِ يَلْزَمُهَا وَغَيْرُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا فَوَاتَحُ السُّورَ، وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهَا مَعْنًى فِي حَيِّزِهَا وَلَمْ تُسْتَعْمَلْ لِلِاخْتِصَارِ مِنْ كَلِمَاتٍ مُعَيَّنَةٍ فِي لُغَتِهِمْ، أَمَّا الشَّعْرُ فَشَاذَّ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَتَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ مَنْبَعُ الْأَسْمَاءِ وَمَبَادِئُ الْخِطَابِ وَتَمْثِيلٌ بِأَمْثِلَةِ حَسَنَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ عَدَّ كُلِّ حَرْفٍ مِنْ كَلِمَاتٍ مُتَبَايِنَةٍ لَا تَفْسِيرٍ، وَتَخْصِيصٌ بِهَذِهِ الْمَعَانِي دُونَ غَيْرِهَا إذْ لَا مُخَصِّصَ لَفْظًًا وَمَعْنًى وَلَا بِحِسَابِ الْجَمَلِ فَتَلْحَقُ بِالْمُعْرَبَاتِ، وَالْحَدِيثِ لَا دَلِيلَ فِيهِ، لِجَوَازِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَبَسَّمُ تَعَجُّبًُا مِنْ جَهْلِهِمْ، وَجَعَلَهَا مُقْسِمًًا بِهَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ لَكِنَّهُ يُحْوِّجُ إلَى إضْمَارِ أَشْيَاءَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَالتَّسْمِيَةُ بِثَلَاثَةِ أَسْمَاءَ إنَّمَا تَمْتَنِعُ إذَا رَكِبَتْ وَجَعِلَتْ اسْمًًا وَاحِدًًا عَلَى طَرِيقَةٍ بِعَلَبِك، فَأَمَّا إذَا نَثَّرَتْ نَثْرُ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ فَلَا، وَنَاهِيكَ بِتَسْوِيَةِ سِيبَوَيْهِ بَيْنَ التَّسْمِيَةِ بِالْجُمْلَةِ وَالْبَيْتِ مِنْ الشَّعْرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَسْمَاءِ حُرُوفِ الْمُعَجَمِ، وَالْمُسَمَّى هُوَ مَجْمُوعُ السُّورَةِ وَالِاسْمُ جَزْؤُهَا فَلَا اتِّحَادَ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ مُؤَخَّرٌ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ اسْمًا، فَلَا دُوْرَ لِاخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ. وَالْوَجْهُ الْأَوَّلِ أَقْرَبُ إلَى التَّحْقِيقِ وَأَوْفَقَ لِلطَّائِفِ التَّنْزِيلِ وَأَسْلَمَ مِنْ لُزُومِ النَّقْلِ وَوُقُوعِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَعْلَامِ مِنْ وَاضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَعُودُ بِالنَّقْضِ عَلَى مَا هُوَ مَقْصُودٌ بِالْعِلْمِيَّةِ، وَقِيلَ: إنَّهَا أَسْمَاءُ الْقُرْآنِ وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْهَا بِالْكِتَابِ وَالْقُرْآنِ.
وَقِيلَ: إنَّهَا أَسْمَاءُ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَدُلُّ عَلَيْهِ
أَنَّ عَلِيًًّا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ كَانَ يَقُولُ: يَا كَهِيْعَصَ، وَيَا حَمَعْسِقَ،
وَلَعَلَّهُ أَرَادَ يَا مَنْزِلَهُمَا.
وَقِيلَ الْأَلْفَ: مَنْ أَقْصَى الْحَلْقِ وَهُوَ مَبْدَأُ الْمُخَارِجِ، وَاللَّامُ: مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ وَهُوَ أَوْسَطُهَا، وَالْمِيمَ:
مِنْ الشَّفَةِ وَهُوَ آخِرُهَا جَمْعٌ بَيْنَهَا إيمَاءٌ إلَى أَنَّ الْعَبْدَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ كَلَامِهِ وَأَوْسَطَهِ وَآخِرُهُ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقِيل: إنَّهُ سِرٌّ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ مَا يَقْرَبُ مِنْهُ، وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّهَا أَسْرَارٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَرُمُوزٌ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا إفْهَامُ غَيْرِهِ إذْ يَبْعُدُ الْخِطَابَ بِمَا لَا يُفِيدُ.
فَإِنْ جَعَلْتهَا أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ الْقُرْآنَ، أَوْ السُّورَ كَانَ لَهَا حَظٌّ مِنْ الْإِعْرَابِ إمَّا الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ، أَوْ الْخَبَرِ، أَوْ النَّصْبِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ الْقَسْمِ عَلَى طَرِيقَةِ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِالنَّصْبِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا ذُكَرَ، أَوْ الْجَرُّ عَلَى إضْمَارِ حَرْفِ الْقِسََمِ، وَيَتَأَتَّى الْإِعْرَابُ لَفْظًًا وَالْحِكَايَةُ فِيمَا كَانَتْ مُفْرَدَةً أَوْ مُوَازَنَةً لِمُفْرَدٍ كَحُمٍ فَإِنَّهَا كَهَابِيلَ، وَالْحِكَايَةُ لَيْسَتْ إلَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ، وَسَيَعُودُ إلَيْك ذَكَرَهُ مُفَصَّلًًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ أَبْقَيْتهَا عَلَى مَعَانِيهَا فَإِنْ قَدِّرَتْ بِالْمُؤَلِّفِ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ كَانَ فِي حَيِّزِ الرَّفْعِ بِالِابْتِدَاءِ أَوْ الْخَبَرِ عَلَى مَا مَرَّ، وَإِنْ جَعَلْتهَا مُقْسِمًًا بِهَا يَكُونُ كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْهَا مَنْصُوبًٌا أَوْ مَجْرُورًًا عَلَى اللُّغَتَيْنِ فِي اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ، وَتَكُونُ جُمْلَةُ قَسْمِيَّةً بِالْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ لَهُ، وَإِنْ جَعَلْتهَا أَبْعَاضُ كَلِمَاتٍ أَوْ أَصْوَاتًٍا مَنْزِلَةً مَنْزِلَةِ حُرُوفِ التَّنْبِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحَلٌّ مِنْ الْإِعْرَابِ كَالْجَمَلِ الْمُبْتَدَأَةِ وَالْمُفْرَدَاتِ الْمَعْدُودَةِ وَيُوقَفُ عَلَيْهَا وَقْفُ التَّمَامِ إذَا قَدِّرَتْ بِحَيْثُ لَا تَحْتَاجُ إلَى مَا بَعْدَهَا، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا آيَةً عِنْدَ غَيْرِ الْكُوفِيِّينَ. وَأَمَّا عِنْدَهُمْ فَ الْم فِي مَوَاقِعِهَا، وَالْمَصِّ وَكَهِيعُصِ وَطِهِ وَطُسْمِ وَطْسٍ وَيْسٍ وَحْمٍ آيَةٍ، وَحْم عَسَق آيَتَانِ، وَالْبَوَاقِي لَيْسَتْ بِآيَاتٍ وَهَذَا تَوْقِيفٌ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ.
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)
ذلِكَ الْكِتابُ ذلك إشَارَةُ إِلَى الم إِنَّ أَوَّلَ بِالْمُؤَلِّفِ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ أَوْ فَسَّرٍ بِالسُّورَةِ أَوْ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَمَّا تَكَلَّمَ بِهِ وَتُقْضَى، أَوْ وَصَلَ مِنْ الْمُرْسَلِ إِلَى الْمُرْسَلِ إلَيْهِ صَارَ مُتَبَاعِدًًا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِمَا يُشَارُ بِهِ إِلَى الْبَعِيدِ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout