مَدَنِيَّةُ وَهِيَ مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)
يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب يَعم بنِي آدَمَ. اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ هِي آدَم. وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها عَطف عَلِى خَلْقِكُمْ أَيْ خَلَقَكُمْ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَخَلَقَ مِنْهُ أُمَّكُمُ حَوَاءٌ مَنْ ضَلَعَ مِنْ أَضْلَاعِهِ، أَوْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ خَلْقِهَا وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجُهَا، وَهُوَ تَقْرِيرٌ لِخَلْقِهِمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةً. وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً بَيَانُ لَكَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِهُمْ مِنْهُمَا، وَالْمَعْنَى وَنَشَرٌ مِنْ تِلْكَ النَّفْسِ وَالزَّوْجِ الْمَخْلُوقَةِ مِنْهَا بَنِينٍ وَبَنَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَاكْتَفَى بِوَصْفِ الرِّجَالِ بِالْكَثْرَةِ عَنْ وَصْفِ النِّسَاءِ بِهَا، إذْ الْحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُنْ أَكْثَرَ، وَذَكَرَ كََثِيرًا حَمْلًا عَلَى الْجَمْعِ وَتَرْتِيبُ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى الْقُدْرَةِ الْقَاهِرَةِ الَّتِي مِنْ حَقِّهَا أَنْ تُخْشَى، وَالنِّعْمَةُ الْبَاهِرَةَ الَّتِي تُوجِبُ طَاعَةَ مُوَلِّيهَا، أَوْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ تَمْهِيدُ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى فِيمَا يَتَّصِلُ بِحُقُوقِ أَهْلِ مَنْزِلِهِ وَبَنِي جِنْسِهِ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ الَّتِي بَعْدَهَا. وَقُرِئَ «َوْخَالِقِ»َ «َوْبَاثِ»َ عَلَى حَذْفٍ مُبْتَدَأٍ تَقْدِيرُهُ وَهُوَ خَالِقٌ وَبَاث. وََاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ أَيُّ يَسْأَلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا تَقُولُ أَسْأَلُكَ بِاَللَّهِ، وَأَصْلُهُ تَتَسَاءَلُونَ فَأَدْغَمَتْ التَّاءَ الثَّانِيَةُ فِي السِّينَ. وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِطَرْحِهَا.
وَالْأَرْحامَ بالنَّصب عَطْف عَلَى مَحَلِّ الْجَارِ وَالْمَجْرُورِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَعُمَرًَا، أَوْ عَلَى اللَّهِ أَيْ اتَّقُوا اللَّهَ وَاتَّقُوا الْأَرْحَامَ فَصَلُّوهَا وَلَا تُقْطَعُوهَا. وَقَرَأَ حَمْزَةً بِالْجَرِّ عَطْفًًا عَلَى الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ كَبَعْضِ الْكَلِمَةِ. وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفِ الْخَبَرِ تَقْدِيرُهُ وَالْأَرْحَامُ كَذَلِكَ، أَيْ مِمَّا يَتَّقَى أَوْ يَتَسَاءَلُ بِهِ. وَقَدْ نَبَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِذْ قَرْنُ الْأَرْحَامِ بِاسْمِهِ الْكَرِيمِ عَلَى أَنَّ صِلَّتَهَا بِمَكَانٍ مِنْهُ.
وَعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «َالرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ أَلَا مَنْ وَصَلْنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعْنِي قَطَعَهُ اللَّهُ»َ
. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا حَافِظًا مطلعًا.
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)
وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ أَيُّ إِذَا بَلَغُوا، وَالْيَتَامَى جَمْعُ يَتِيمٍ وَهُوَ الَّذِي مَاتَ أَبُوهُ، مِنْ الْيَتِمِ وَهُوَ الِانْفِرَادُ.
وَمِنْهُ الدُّرَّةُ الْيَتِيمَةَ، إمَّا عَلَى أَنَّهُ لَمَّا جَرَى مَجْرَى الْأَسْمَاءِ كَفَارِسٍ وَصَاحِبِ جَمْعٍ عَلَى يَتَائِمَ، ثُمَّ قَلْبَ فَقِيلَ يَتَامَّى أَوْ عَلَى أَنَّهُ جَمْعٌ عَلَى يَتَمِي كَأُسْرَى لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْآفَاتِ. ثُمَّ جَمَعَ يُتْمَى عَلَى يَتَامَى كَأُسْرَى وَأُسَارَى، وَالِاشْتِقَاقِ يَقْتَضِي وُقُوعَهُ عَلَى الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ، لَكِنَّ الْعُرْفَ خَصَّصَهُ بِمَنْ لَمْ يَبْلُغْ. وَوُرُودُهُ فِي الْآيَةِ إمَّا لِلْبَالِغِ عَلَى الْأَصْلِ أَوْ الِاتِّسَاعِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالصِّغَرِ، حَثًَا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ أَوَّلَ بُلُوغِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ عَنْهُمْ هَذَا الِاسْمُ إنْ أَوْنَسَ مِنْهُمْ الرُّشْدَ، وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِابْتِلَائِهِمْ صِغَارًٍا أَوْ لِغَيْرِ الْبَلَغِ وَالْحُكْمِ مُقَيَّدٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout