فَجَاءَهُ ثُمَّ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ فَقِيلَ لَهُ مَالِكً، فَقَالَ إنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لِخَنْدُقًَا مِنْ نَارٍ وَهُوَلًا وَأَجْنَحَةً. فَنَزَلَتْ وَلَفْظُ الْعَبْدِ وَتَنْكِيرُهُ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَقْبِيحِ النَّهْيِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى كَمَالِ عُبُودِيَّةِ الْمَنْهِيِّ.
أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوِى أَرَأَيْتَ تَكْرِيرٌ لِلْأَوَّلِ وَكَذَا الَّذِي فِي قَوْلِهِ:
أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤)
أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى وَالشَّرَطِيَّةِ مَفْعُولُهُ الثَّانِي وَجَوَابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوَابُ الشَّرْطِ الثَّانِي الْوَاقِعِ مَوْقِعُ الْقَسِيمِ لَهُ. وَالْمَعْنَى أَخْبَرَنِي عَمَّنْ يَنْهَى بَعْضُ عِبَادِ اللَّهِ عَنْ صَلَاتِهِ إنْ كَانَ ذَلِكَ النَّاهِيَ عَلَى هُدَى فِيمَا يُنْهَى عَنْهُ، أَوْ آمِرًَا بِِالتَّقْوِى فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ كَمَا يَعْتَقِدُهُ، أَوْ إنْ كَانَ عَلَى التَّكْذِيبِ لِلْحَقِّ وَالتَّوَلِّي عَنْ الصَّوَابِ كَمَا تَقُولُ، أََلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى وَيَطْلُعُ عَلَى أَحْوَالِهِ مَنْ هَدَاهُ وَضَلَاَلِهِ. وَقِيلَ الْمَعْنَى أََرَأََيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي وَالْمَنَهِيُّ عَلَى الْهُدَى آمِرًا بِالتَّقْوَى، وَالنَّاهِي مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍٍّ فَمَا أَعْجَبُ مِنْ ذَا. وَقِيلَ الْخِطَّابُ فِي الثَّانِيَةِ مَعَ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَالْحَاكِمِ الَّذِي حَضَرَهُ الْخَصْمَانُ يُخَاطَبُ هَذَا مَرَّةً وَالْآخَرُ أُخْرَى، وَكَأَنَّهُ قَالَ يَا كَافِرٌ أَخْبَرَنِي إِنْ كَانَ صَلَاتُهُ هُدًى وَدُعَاؤُهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمْرًَا بِالتَّقْوَى أَتَنْهَاهُ، وَلَعَلَّهُ ذِكَرَ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى فِي التَّعَجُّبِ وَالتَّوْبِيخِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي النَّهْيِ لِأَنَّ النَّهْيَ كَانَ عَنِ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرِ بِالتَّقْوَى، فَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ دَعْوَةٌ بِالْفِعْلِ أَوْ لِأَنَّ نَهْيَ الْعَبْدِ إذَا صَلَّى يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا وَلِغَيْرِهَا، وَعَامَّةِ أَحْوَالِهَا مَحْصُورَةٌ فِي تَكْمِيلِ نَفْسِهِ بِالْعِبَادَةِ وَغَيْرِهِ بِالدَّعْوَةِ.
كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦)
كَلَّا ردع للناهي. لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عما هو فِيه. لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ لنأَخَذِنِ بِنَاصِيَتِهِ وَلِنَسْحَبَنَّهُ بِهَا إِلَى النَّارِ، وَالسَّفْعِ الْقَبْضُ عَلَى الشَّيْءِ وَجَذَبَهُ بِشِدَّةٍ، وَقُرِئَ لِنَسْفَعَنَّ بنُونَ مُشَدَّدَةَ وَ«َلْأَسْفَعْنَ»ُ، وَكِتَابَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْأَلْفِ عَلَى حُكْمِ الْوَقْفِ وَالِاكْتِفَاءِ بِاللَّامِ عَنْ الْإِِضَافَّةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُرَادَ نَاصِيَةُ الْمَذْكُورِ.
نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خاطِئَةٍ بَدَل مِنَ النَّاصِيَةِ وَإِنَّمَا جَازَ لِوَصْفِهَا، وَقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلَى هِيَ نَاصِيَةٌ وَالنَّصْبُ عَلَى الذَّمِّ وَوَصَفَهَا بِالْكَذِبِ وَالْخَطَأَ، وَهُمَا لِصَاحِبِهَا عَلَى الْإِسْنَادِ الْمَجَازِيِّ لِلْمُبَالَغَةِ.
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أيُّ أَهْل نَادِيهِ لِيُعَيِّنُوهُ وَهُوَ الْمَجْلِسُ الَّذِي يَنْتَدِي فِيهِ الْقَوْمُ.
رُوِي أَنَا أَبَا جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: أَلَمْ أَنَّهُكَ، فَاغْلَظْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَهَدِّدُنِي وَأَنَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْوَادِي نَادِيًا فَنَزَلَتُ.
سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ليَجُرُوهُ إِلَى النَّارِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الشَّرْطُ وَاحِدُهَا زَبَنِيَّةٌ كَعُفْرِيَّةَ مِنَ الزَّينِ وَهُوَ الدَّفْعُ، أَوْ زَبْنِي عَلَى النَّسَبِ وَأَصْلِهَا زَبَّانِيٌّ وَالتَّاءُ مُعَوَّضَةٌ عَنِ الْيَاءِ.
كَِلَّا ردع أَيضًا لِلنَّاهِي. لاَ تُطِعْهُ أَيْ أَثْبَتَ أَنْتَ عَلَى طَاعَتِكَ. وََاسْجُدْ داوم عَلِى سُجُودِكَ.
وَاقْتَرِبْ وتَقَرِّبُ إِلَى رَبِّكَ
وَفِي الْحَدِيثِ «َأَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ إِذَا سَجَدَ»َ .
عن النَّبِيِّ صلى اللهُ عَلَيه وَسَلّمَ «َمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْعَلْقِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ الْمُفَصَّلَ كُلُّهِ»ْ .
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout