ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ أَنَّهُمْ جَمِيعُهُمْ رَاجِعُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَسَيُجَازِيهِمْ بِمَا فَعَلُوا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ الْمَعْنَى: جَعَلُوا أَمْرَ دِينِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ قِطَعًا كَمَا يَتَوَزَّعُ الْجَمَاعَةُ الشَّيْءَ وَيَقْتَسِمُونَهُ، فَيَصِيرُ لِهَذَا نَصِيبٌ وَلِذَلِكَ نُصِيبٌ؛ تَمْثِيلًا لِاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ، وَصَيْرُورَتِهِمْ فِرَقًا شَتَّى. اهـ.
وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ «تَقَطَّعَ» مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى الْمَفْعُولِ وَمَفْعُولُهَا «أَمْرَهُمْ» وَمَعْنَى تَقَطَّعُوهُ أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ قِطَعًا كَمَا ذَكَرْنَا. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ أَيْ: تَفَرَّقُوا فِي أَمْرِهِمْ، فَنَصَبَ «أَمْرَهُمْ» بِحَذْفِ «فِي» وَمِنْ إِطْلَاقِ الْأُمَّةِ بِمَعْنَى الشَّرِيعَةِ وَالدِّينِ كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى عَنِ الْكُفَّارِ: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [٤٣ \ ٢٣] أَيْ: عَلَى شَرِيعَةٍ وَمِلَّةٍ وَدِينٍ. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ نَابِغَةِ ذُبْيَانَ:
حَلَفْتُ فَلَمْ أَتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ... وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ. . إلخ» أَنَّ صَاحِبَ الدِّينِ لَا يَرْتَكِبُ الْإِثْمَ طَائِعًا.
وَمَا ذَكَرَهُ - جَلَّ وَعَلَا - فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ الْكَرِيمَتَيْنِ: مِنْ أَنَّ الدِّينَ وَاحِدٌ، وَالرَّبَّ وَاحِدٌ فَلَا دَاعِيَ لِلِاخْتِلَافِ. وَأَنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا أَوْ صَارُوا فِرَقًا أَوْضَحَهُ فِي سُورَةِ «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» وَزَادَ أَنَّ كُلَّ حِزْبٍ مِنَ الْأَحْزَابِ الْمُخْتَلِفَةِ فَرِحُونَ بِمَا عِنْدَهُمْ. وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ [٢٣ \ ٥١ - ٥٤]
Tashkeel
Theme
Text size
Line spacing
Arabic font
Layout